قام فضيلة أ.د علي محيي الدين القره داغي الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بإقامة حفل عشاء كبير في منزله في مساء الثلاثاء على شرف الوفد الأفغاني الكبير الذي كان يمثل معظم قادة الحكومة الأفغانية المؤقتة وحركة طالبان حيث كان على رأسهم أصحاب السعادة وزير الخارجية بالوكالة ونائب وزير الدفاع، ونائب وزير الداخلية ووزير التعليم والتربية، ووزير الاقتصاد، ووزير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووزير شؤون اليتامى والشهداء، ووزير الهجرة، وعدد آخر من كبار المسؤولين في أفغانستان.
ودعا فضيلته عدداً آخر من علماء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في قطر ،وعلى رأسهم أصحاب الفضيلة: أ.د أحمد الريسوني رئيس الاتحاد والشيخ محمد الحسن الددو، وأ.د نور الدين الخادمي، والدكتور علي الصلابي، والدكتور محمد الصغير، والدكتور فضل مراد، أعضاء مجلس الأمناء، وعدد آخر من كبار علماء قطر، ومن كبار العلماء المقيمين بدولة قطر من علماء مصر والعراق واليمن والمغرب وتونس ونحوهم. كما شرف اللقاء بعض القادة المفكرين، وكان الغرض من هذا اللقاء هو تطبيق الحديث النبوي الشريف ” الدين النصيحة .. قالوا : لمن يا رسول الله؟ قال : لله ولكتابه ولنبيه ولأئمة المسلمين، وعامتهم ” رواه مسلم وغيره
فقد فتح الجلسة فضيلة الأمين العام بكلمة جدد فيها تهنئته بانتصار الحركة والشعب الأفغاني العظيم وأن هذا الانتصار هو للمسلمين جميعاً، وأنه أعاد للأمة الأمل الكبير، وأنه يجب علينا وعليكم الحفاظ على هذا النصر، وتثبيت الشعب الأفغاني العظيم، وتوفير مستلزماته، وعدم إهمال أي جهة أو مكون من مكوناته، فقوتكم بقوة شعبكم، وقوتكم بتوفير الأمن والأمان السياسي والاقتصادي والاجتماعي لهم . وأن لكم يا قادة الأفغان حقوقاً على أمتكم بالنصرة والدعم المادي والمعنوي، وللأمة أيضاً حقوقاً عليكم بالحفاظ على هذا النصر وبمشورة علماء الأمة حتى يشاركوا معكم في تحمل الأعباء ثم ركز فيها على فقه الموازين، وأكد على أن ميزان الثورة والمقاومة والجهاد يختلف عن ميزان إدارة الحكومة والشعب، وأن ميزان السياسة يختلف عن ميزان العبادات المحضة ، وكذلك يختلف ميزان المبادئ الكلية والثوابت القطعية عن ميزان المسائل الجزئية والقضايا الفرعية ، حيث لا يجوز التنازل عن القطعيات والمبادئ العامة ولكن يجوز التنازل والمناورة في دائرة الجزئيات والمتغيرات والاجتهادات .
ويدل على هذه الموازين المختلفة القرآن الكريم والسنة النبوية والسيرة العطرة .
وبناءً على هذه الموازين فإن أمامكم مساحات واسعة في النظر إلى القضايا السياسية وحتى اسم الدولة ، فالمهم في الإسلام هو التطبيق وليس الشكل ، فلا مانع لو تغير الاسم من الإمارة إلى جمهورية أفغانستان الإسلامية ، وكذلك النظر في حقوق المرأة ونحوها فالنصوص الشرعيةتجعل الأساس في العلاقة بين الرجل والمرأة ميزان التكامل والعدل والحقوق المتبادلة ،وأن المذهب الحنفي أوسع المذاهب في حقوق المرأة فقد أجازلها أن تكون قاضية ،كما ان في الموضوع سعة فلا يجوز التشدد فيها ،فقد ترك الرسول صلى الله عليه وسلم قتل أشد المنافقين إيذاء حتى لا يقال: إن محمدا يقتل أصحابه أي الخوف من مآلات الأمور.
ومن خلال هذه الموازين يتبين لنا أن ميزان التبليغ قائم على الشمول والصدع بالحق ، وأن تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم تتوزع على ميزان التبليغ والدعوة وميزان الإمامة والسياسة الشرعية وميزان القضاء ونحو ذلك .
وبذلك نفهم ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية من مسح كلمة (رسول الله ) من اسمه المبارك ورضائه ببعض البنود التي في ظاهرها تنازل لصالح المشركين القريشيين حتى قال عمر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم : (( فعلام نعطي الدنية في ديننا )) فقال صلى الله عليه وسلم : (( يا ابن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبداً )) فنزلت سورة الفتح فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمر إلى آخرها ، فقال عمر : ((يا رسول الله أوَ فتح هو؟ )) ، قال : (( نعم )) رواه البخاري (3182) ومسلم (1785)
ومن خلال ميزان السياسة نفهم ما عرضه الرسول صلى الله عليه وسلم على الأنصار أن يعطى ثلث ثمار المدينة لبني غطفان ليفكوا الحصار لأنه رأى أن العرب قد رموا المدينة من قوس واحد.
وأنتم يا قادة الأفغان قد رماكم العالم من قوس واحد فتعاملوا بسياسة ذكية وحاولوا فك هذا الحصار بما يمكن والسياسة هي فن الممكن ما عدا الثوابت وهي ليست كثيرة.
ثم ختم فضيلة الأمين العام كلمته بدعوة قادة الحركة والحكومة إلى الالتزام بخمسة مبادئ مهمة في التعامل ، وهي :
1- مبدأ الاعتماد على البصيرة التي أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بها بعد قصة يوسف عليه السلام حيث اعتمد على تأويل الأحاديث والأحداث ووضع خطة محكمة لأربعة عشر عاماً ، فنجح بها وبشرهم بقوله : ((ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ)) يوسف آ 49
بعد ذلك أمر رسوله ومن اتبعه من المؤمنين بالاعتماد على البصيرة وبعد النظر وقراءة واستشراف المستقبل فقال تعالى : ((قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ )) يوسف آ108
2- مبدأ الاعتماد على الحكمة ، حيث تكررت في القرآن الكريم حوالي عشرين مرة ويقصد بها حصيلة الفطر السليمة والعقول المستقيمة والتجارب مع الأخذ بالنظر كيفية التعامل من حيث الأسلوب والمكان والزمان ووضع الشيء في محله .
3- مراعاة الجانب الإنساني والعاطفي للفرد والجماعة والشعب من خلال الموعظة الحسنة والارتقاء بهم وتزكيتهم .
4- الحوار الدائم للوصول إلى الحق ولكن بالتي هي أحسن أسلوبا ومحتوىً ومعلوماتٍ وغيرها.
5- فقه الميزان حسب ما ذكره في كتابه ( فقه الميزان )
وختم كلامه بقوله : (( إن مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله هو أقدم المذاهب وأوسعها سياسة شرعية من خلال الاستحسان الذي هو قائم على المصالح ، هذا الاستحسان هو بمثابة الحارس الأمين لتحقيق المصالح الحقيقية ودرء المفاسد ، ولذلك يتدخل في القياس – ولو كان جلياً – فيمنعه إذا لم يحقق المصلحة ، وعندئذ يكون ترجيح القياس الخفي بالاستحسان ، وكذلك يتدخل في القواعد الكلية فيستثني منها كل مالا يحقق المصالح ، وهكذا فأنتم أمام هذا الفقه العظيم ،بالإضافة فقه بقية المذاهب واجتهادات المعاصرين وبخاصة في الاقتصاد والنوازل المستجدة ، وندعو لكم بتضرع بأن توفقوا في إقامة دولة إسلامية قوية قائمة على العلم والعدل والعمران لتكون نموذجاً يحتذى به )
ثم تحدث فضيلة أ.د. أحمد الريسوني رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ، حديثاً رائعاً موجزا ركز فيه على مقترح لإنشاء مجمع للفقه الإسلامي في أفغانستان وكذلك تحدث قادة الفكر والعلم وأفاضوا في جوانب متعددة كانت ثرة وثرية وليلة مباركة كان فيها الحوار الهادئ الهادف المخلص حوالي أربع ساعات ونصف، تخللها عشاء طيب .