يقول العلامة دراز

فهل هناك ما هو أكثر منافاة للقانون من ترك الجريمة دون عقاب، وترك الباطل يغتصب مكان الحق، وترك الظلم يتسلط؟؟

ولكن، إذا كان اللوم الذي يوجه ضد خطأ معين يثير من الأخطاء ما هو أشد خطرًا، وإذا كان التشهير بالباطل يستتبع إظلام الحقيقة، وإذا كان التمرد على الطاغية، مع العجز عن إقرار النظام، لا يؤدي إلا إلى إراقة دماء الأبرياء، وجعل الاستبداد أشد تحكمًا، كما لم يكن -إذا كان ذلك جائز الحدوث، أوليس هذا هو موضع تطبيق المبدأ المشهور: “تجنب أسوأ الشرين، وتقبل أخفهما”؟؟

وسوف لا يقتصر الأمر على أن نقول: إنه “من الممكن”، بل “من الواجب” أن نعتبر مقدمًا جميع النتائج التي يمكن التنبؤ بها، والتي يمكن أن يؤثر اعتبارها من قريب، أو من بعيد, على تنظيم الواجب الحسي، وتحديده بذاته.

والشاطبي، والحق يقال، يعترف بذلك في مواضع أخرى

أقول :

هذا القول له وجاهته من الإجمال، ومن حيث المبدأ، وربما هناك بعض التفاصيل تحتاج مزيداً من التحقيق، ولكنه بلا شك ومما هو متفق عليه بين الفقهاء والعلماء، أنه يجب علينا جميعاً أن نبتعد عن أسوأ الشرين، حتى لو كان ذلك بتحمل أخف الشرين، أو أخف الضررين، بل إن بعض فقهاء السلف، قالوا كلاماً جميلاً،
قالوا : ليس الفقيه هو من يدرك الفرق بين المصلحة والمفسدة، وإنما الفقيه هو الذي يدرك المصلحة الأكبر، ويفرقها عن المصلحة الأصغر، وأن يفرق أيضاً بين المفسدة الكبرى، فيبعدها، وبين المفسدة الصغرى، قد يتحملها أو يقبل بها لأجل درء المفسدة الكبرى، فهذه حقيقة، ويدل على ذلك قصة موسى عليه السلام مع الخضر عليه السلام، حيث تدل هذه القصة في مجموعها على تحمل الضرر الأخف لأجل درء الضرر الأكبر، فهو قام بخرق السفينة، وهذا مفسدة وضرر، ولكن لأجل ألا تؤخذ السفينة كلها، فهذه المفسدة الكبرى.
هذا هو المعتبر والله أعلم