لا يجوز شرعاً ترك مصر العظيمة لتنزلق نحو الحرب الأهلية والفتن

– لذلك يجب على حكام الأمة العربية والإسلامية والعلماء والإعلاميين بذل كل ما في وسعهم لتحقيق مصالحة عادلة شاملة.

– يحرم على السلطة، والمعارضة استعمال السلاح، لأنه يؤدي إلى الفتنة والحرب الأهلية، كما حدثت في الجزائر، فالمسؤولية شرعاً على الطرفين.

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين.

أوجه رسالتي هذه حاملة ما أدين به أمام الله تعالى من خلال نظري الشرعي المعتمد على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

ولذلك فما سطرته هنا ليس رأياً سياسياً، وإنما فتوى شرعية صدرت من قبل يحب مصر التي عاش فيها، وتعلم فيها، والتي يعتبرها قلب الأمة العربية والإسلامية، ومن أهم البلاد الإسلامية.

وهي فتوى نبعت من روح بعيدة كل البعد -بفضل الله تعالى- عن كل مصلحة حزبية، أو شخصية.

الله يعلم أن قلبي يتقطع من هول ما نسمع ونرى من هول الجرائم والفظائع التي وقعت، ولست الأن بصدد ما وقع، وإنما بصدد كيف نمنع مصر من الانزلاق نحو هاوية الفتن والحرب الأهلية.

وقد أثبتت التجارب السابقة، وما جرى خلال أكثر من عام، أن العنف، والحل الأمني لا يمكن أن يحل المشكلة، بل تكون نتائجه عكسية وكارثية، لذلك يجب الحوار تحت إشراف هيئة كبيرة من قادة الأمة وعلمائها ومفكريها، للوصول إلى ما يحقق الخير لشعب مصر العظيم، ولجميع العرب والمسلمين.

إن مصر الحبيبة تمر اليوم بأزمة عصيبة، تنذر بفتنة كبرى، نسأل الله تعالى أن يحفظها منها، ويكتب الرشاد لأهلها، فالنار المشتعلة في أعظم دولة، لا يجوز السكوت عليها شرعاً لكل من له قدرة على المساهمة في إطفائها من الحكام والعلماء والسياسيين، والإعلاميين ونحوهم.

ولكن هذه النار الخطيرة لا يمكن إطفاؤها إلا بالوقوف مع الحق، فلا يجوز لنا أن نقول للجماهير المتظاهرة منذ أكثر من سنة: “ارجعوا إلى بيوتكم”، وهم قد ضحوا بكل شيء.

وقد بيّن الله تعالى أن من واجب الأمة الإسلامية القيام بالصلح العادل حتى مع البغاة فقال تعالى (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى? فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى? تَفِيءَ إِلَى? أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) }الحجرات:9-10{، حيث دلّت الآية على أنه يجب على أصحاب القرار أن يكون لديهم مشروع صلح عادل يجتمع عليه السياسيون المخلصون، والعلماء الربانيون، فيعرضونه على الطرفين، فإذا لم يقبل به أحدهما، فيقاتل بما يمكن سياسياً، وعسكرياً، واقتصادياً، إلى أن يرجع إلى الصلح، وحينئذ لا يظلم بل يتم الصلح بالعدل والقسط.

ثم بيّن القران الكريم الأرضية المهيئة للصلح وهي الأخوة الإيمانية، وروح المحبة والإخلاص من المصلحين، حيث أكد القران الكريم على أن هذه الأخوة هي المنطق للصلح العادل.

وأعتقد أن مشروع الصلح لابد أن ينطلق من عودة العسكر إلى ثكناتها للدفاع عن الوطن، وترك السياسة لأهلها، وإعادة الأمور إلى نصابها، وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، وتشكيل محاكم عادلة لمن ثبت في حقه أي جريمة إلخ، ثم اللجوء إلى الشعب باعتباره المرجع الأخير.

ثم يجمع السياسيون من جميع الأطياف السياسية للوصول إلى حل سياسي عادل، والإشراف عليه، ولأجل ذلك يجب أن تشكل هيئة عليا للصلح، تتكون من مجموعة من رؤساء العرب والمسلمين، ومن العلماء الربانيين، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كما أن تغيير المنكر لمن يقدر عليه فريضة شرعية لأدلة كثيرة لا يسع المجال لسردها، منها أن الله تعالى لعن بني إسرائيل حينما لم يقوموا بتغيير المنكر، بل سكتوا عنه فقال تعالى : (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ، كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ) }المائدة: 78-79{، ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم “من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطيع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان” رواه مسلم الحديث 49، وأبو داود الحديث 1140، 4340، وابن حبان الحديث 306، 307.

وهل هناك منكر أخطر مما يحدث في مصر من قتل المتظاهرين، والجنود، واغتصاب الفتيات، والاعتداء على الأموال، والممتلكات الخاصة والعامة، وأخطر من ذلك كله: الانزلاق نحو هاوية الحرب الأهلية التي تقضي على الأخضر واليابس، وتهدم البنية التحتية، كما حدث في الجزائر، وما سوريا عنا ببعيد.

لذلك أناشد الحكام والعلماء وأحملهم هذه المسؤولية: بأن يقوموا ببذل كل ما في وسعهم للحفاظ على مصر، وقوة مصر، وشعب مصر، فالله تعالى يسألنا جميعاً إذا تهاوننا وقصرنا، ولم نبذل ما في وسعنا، في يوم ينادي المنادي: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ) }الصافات:24{

ولا اشك في نجاح هذه المهمة ما دمنا صادقين مخلصين، وأن توفيق الله تعالى يأتي بمقدار إخلاصنا، وإرادتنا للإصلاح الشامل العادل، فقال تعالى (إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً) }النساء:35{

اللهم اشهد بأني بلغت اللهم اشهد

(إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)}هود:88{

—————————————————–

كتبه الفقير إلى الله

أ.د. علي محيي الدين القره داغي