الدوحة – جريدة العرب

شدد فضيلة الشيخ د.علي محيي الدين القره داغي، الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، على أهمية إزالة النظام السوري، وقال إن مسؤوليتنا عن هذا الأمر مسؤولية جماعية، وفيما استنكر المُهَل التي يمنحها العالم للنظام قال فضيلته إن مرور سنة كافٍ للاستدلال على أن هذا النظام فاسد ومجرم، وأنه يجب قلعه وإزالته شرعا، ولا يجوز السكوت عن هذا النظام، وهذه مسؤولية جماعية أمام الله سبحانه وتعالى.

مشددا على أنه مسؤولية هذه الأمة الإسلامية جمعاء عما يحدث من الظلم والظلمات، عما يحدث من الإجرام الذي تجاوز كل الحدود في بعض البلاد ولاسيَّما في سوريا، ففي كل يوم يستحل القتل في الأطفال والنساء والشيوخ، وكذلك يتحقق مع الأسف الشديد الاغتصاب لأعراض النساء الشريفات، والتعذيب المبرمج والممنهج على طريقة هؤلاء الظلمة والمجرمين الذين عاثوا في الأرض فسادا، وأظهروا فعلا حقيقتهم التي كانت غير مكشوفة لدى الكثيرين، هذه الأمة اليوم مسؤولة أمام الله سبحانه وتعالى حكاما ومحكومين، أن يقفوا وقفة رجل واحد أمام هذا الظلم الذي تجاوز كل الحدود، فالأمة مسؤولة ولا يجوز لها، وهي أكثر من مليار وسبعمائة مليون نسمة، أن تمهل كل هذه الأوقات، في الأول كانت مهلة تركيا، ثم مهلة الجامعة العربية، ومهل أخرى، ثم دخلنا اليوم في مهل وفرص مجلس الأمن والجمعية العمومية للأمم المتحدة، ألا يكفي مرور سنة للاستدلال على أن هذا النظام فاسد ومجرم؟ وأنه يجب قلعه وإزالته شرعا، ولا يجوز السكوت عن هذا النظام، وهذه مسؤولية جماعية أمام الله سبحانه وتعالى.

ولفت قائلا: مسؤوليتنا كذلك كشعوب بالدعاء والتضرع، ودفع المال وتوجيه أموالنا لهم، وتسليح الجيش الحر حتى يكون قادرا على الدفاع عن نفسه، وهبوا بكل ما تجود به أنفسكم لمساعدة اللاجئين السوريين في تركيا ولبنان والأردن، لأداء جزء من هذا الواجب، ولا أقول التبرع لأن هذا واجب علينا، والأمة الإسلامية كجسد واحد.

المسؤولية الخارجية

وكان فضيلته قد بدأ خطبة الجمعة أمس في جامع عائشة بفريق كليب قائلا: قد تحدثنا في الخطب السابقة عن مسؤولية الإنسان عن نفسه، وماله، وعن عمره وشبابه، وحياته، وعن كلمته، وقلبه ولسانه، وسمعه وبصره، وكل ما هو موجود من نعم الله سبحانه وتعالى المتاحة للإنسان، جعله الله سبحانه وتعالى عليها حقا، وفيها المسؤولية أمام الله سبحانه وتعالى قبل أن يكون الإنسان مسؤولا أمام القوانين والتشريعات. واليوم أتحدث عن مسؤولية الإنسان عما هو خارج عن دائرة نفسه، سواء كان في نطاق الإنسان جميعا، أو في نطاق الحيوانات، والجمادات، والبيئة أيضا. أما مسؤولية الإنسان عن الإنسان الآخر، فهذه المسؤولية تتنوع إلى مجموعة من المسؤوليات، حسب خطورتها، وحسب أهميتها، وأهم نوع من هذه المسؤولية هي مسؤولية الإنسان عن أهله، عن زوجته، وكذلك الزوجة عن زوجها، وأولاده، وكل من تحت ولايته وتصرفه، ثم بعد ذلك يأتي مسؤولية المسؤولين بدءاً من الحاكم والرئيس، ثم الوزراء والمديرين والمسؤولين، ثم المسؤولية الاجتماعية من خلال مسؤولية الإنسان من باب الحسبة عن أخيه الإنسان، بحكم كونه أخاً لك، وأن تنصره ظالما أو مظلوما، تنصره ظالما بمنعه عن الظلم، وتنصره مظلوما بأن ترد عنه الظلم.

عن الأهل والأولاد

وتحدث فضيلته عن مسؤولية الإنسان عن أهله وعن أولاده، فقال: إن الله سبحانه وتعالى جعل هذه المسؤولية جزءاً أساسيا من مسؤولية الإنسان عن نفسه، وذكرها الله سبحانه وتعالى مع هذه المسؤولية تماما، فقال سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا)، فهذه المسؤولية جمعت بين مسؤوليتين، بين مسؤولية الإنسان عن النفس بكل ما تعني هذه الكلمة، وكذلك عن الأهل الذي يشمل الزوج والزوجة، ويشمل الأولاد ذكوراً وإناثاً، ويشمل الأحفاد، وكل من كان الإنسان مسؤولا عنه، وتحت ولايته، بحيث لا تتحقق الوقاية الحقيقية للإنسان إذا وقى وحمى نفسه فقط، دون أن يبذل كل جهده، وكل ما في وسعه لحماية أهله، فالله سبحانه يسألك هذا السؤال المزدوج عن نفسك وعما بين يديك، وأنت مسؤول عنهم، لاسيَّما الأولاد والأطفال، الذين يولدون على الفطرة والإسلام والخير، ولكن الأبوين يهودانهم أو ينصرانهم أو يمجسانهم، فإذا انحرف الولد -لا سمح الله- ذكورا وإناثا، فإن المسؤولية مباشرة توجه إلى الوالد، لأنه لا بد أن يكون هناك خلل، إلا إذا قد بذل كل ما في جهده ووسعه، ولاسيَّما في المراحل المبكرة، حينئذ يكون بمنأى عن المسؤولية، ويكون له إجابته الشافية والكافية عند الله سبحانه وتعالى، حينما يقف فردا أمامه، وعندما يُسأل كذلك في أماكن أخرى من قبل الملائكة سواء كان في القبر أو في غيره.

اختيار الإسلام

وعلق على هذه المسؤوليات بقوله: هذه المسؤولية من أهم المسؤوليات، لأنها في مقدورنا، ولأننا نستطيع أن نوجه الأطفال، والله سبحانه وتعالى جعل فطرة الإسلام هي الأصل، وأن الأولاد إذا تركناهم وشأنهم لا يختارون إلا الإسلام، إلا الفطرة، وإذا اختاروا غيره فيكون السبب في التربية والإهمال، وقد يكون السبب سوء العشرة، وسوء الرفقة، وغير ذلك، وهذا يعود إلى الوالد والوالدة بأن يمنع الأولاد من هذه المشاكل، وأن يقوما بحمايتهم حماية كافية، وأن يكون الوالدان بمثابة العين الساهرة لهؤلاء الأولاد بالتربية والنصح واستعمال جميع الوسائل المتاحة.

مسؤولية الحكام والوزراء

وأضاف: أما المسؤولية الثانية فهي مسؤولية الحكام والوزراء والمديرين والمسؤولين، فهؤلاء مسؤولون أمام الله سبحانه وتعالى في توجيه أمتهم، وفي توجيه شعوبهم، وكل من تعيش في تلك الديار، وقد عبر عن ذلك سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه الذي كان يبكي خوفا من الله في أنه قد فرط في حق من حقوق العباد والبلاد، وكان عمر يقف في السوق وإذا رأى ظلما على الحيوانات من الحمير وغيرها، كان يزيل هذا الظلم عن هذه الحيوانات التي لا تستطيع أن تنطق بما تحس به من ظلم.. وتصل إلى هذه المسؤولية من توفير الغذاء والطعام والدواء، كل ذلك من مسؤولية الحاكم بالمشاركة الحقيقية مع الشعب، بحيث يعيش الشعب أو الأمة في سعادة دنيوية ويهيئ لها السبيل للسعادة الأخروية، والله يسألهم يوم القيامة إذا قصر أي واحد منهم في هذا المجال حتى ولو كان مسؤولا عن شخص واحد، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، مما يدل على أن المسؤولية شاملة لكل إنسان.

مسؤولية الحسبة

وأضاف فضيلته أن المسؤولية الثالثة هي مسؤولية الحسبة، المسؤولية الاجتماعية، والمسؤولية الجماعية، وهو أن كل إنسان مؤمن بل كل إنسان يعيش في بقعة، مسؤول عن أخيه، لأن الكون كله، والدولة كلها، مرتبط أمنه أو أمنها بالجميع، كما صور ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم في قضية السفينة حينما يقول «مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ، مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا»، فالسفينة إما أن تسير سالمة، أو بغير سلام ولا أمان وتغرق في البحر، وهكذا الأمر في الدنيا إما أن يكون الغرق في الذنوب أو في الفقر والمجاعة والبطالة والمشاكل، أو النجاة والسلام.

التزم بالقوانين

مضيفا: المسؤولية مسؤولية جماعية، ولا يجوز لأحد أن يقول إنني حر، فحريتك تقف عندما تتعدى على حرية الآخر، فأنت تعيش في هذا البلد فعليك أن تلتزم بالقوانين والقيم والضوابط التي يسير عليها هذا الشعب، وإلا فإنك لن تضر بنفسك فقط وإنما تضر بالآخرين، وأهملت المسؤولية، فحينئذ يحاسبنا الله سبحانه وتعالى على ذلك، وحينما يعم الفساد فإن الهلاك ينزل ولا يخص الفاسدين فقط، ولا المذنبين فقط، وإنما يعم الجميع (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً)، ومن هنا تأتي المسؤولية الجماعية والاجتماعية والحسبة (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان).

واختتم فضيلته خطبته قائلا: حينما تسير الأمة على هذه المسؤوليات الأربع مسؤولية الإنسان عن نفسه، ومسؤوليته عن أهله وأولاده، ومسؤولية الأئمة والوزراء والمسؤولين عمَّن تحت أيديهم، ثم تكمل بالمسؤولية الاجتماعية، حينئذ تسير السفينة بسلام وأمان.