الدوحة ـــ بوابة الشرق

كتاب “إستراتيجية التنمية الشاملة والسياسات الاقتصادية النقدية والمالية في ظل الربيع العربي ، يخص به فضيلة الشيخ د. علي محي الدين القره داغي الشرق في رمضان من هذا العام ليكون عونا لكل شعوب الأمة العربية والإسلامية في مسارها ونهضتها وإنقاذ البشرية مما يعتريها من ظلم وفقر وحرمان، إذ يقدم الكتاب عبر الفصول المختارة التي ننشرها تباعا استراتيجية التنمية الشاملة والسياسات الاقتصادية (النقدية والمالية) في ظل الربيع العربي وهي دراسة فقهية اقتصادية، ومحاولة لبديل إسلامي، مع حلول طارئة.. يقول فضيلته:

إن الإعلام فى نظر الإسلام هو مؤسسة للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وللنصيحة العامة والخاصة للخاص والعام، للحاكم والمحكوم دون أن تخاف فى الله لومة لائم، فتكشف الحقائق بالحجج والبراهين، وتكون السند للحكام والمحكوم والراعى والرعية، فهى تدخل فى مؤسسات الحسبة التى كانت سائدة فى العصور الأولى.

والإعلام اليوم أصبح السلطة الرابعة فى العالم المتحضر، وأصبح متنوع الوسائل والأدوات (من الصحافة، والإذاعة، والتلفاز) لذلك فهو قادر على أن يلعب دوراً مؤثراً فى محاربة الفساد بجميع أنواعه، وفضح الفاسدين والمفسدين بالأساليب المشروعة وفى أطار القيم الإسلامية والضوابط الخاصة بالنشر وبعيداً عن التشهير والمبالغة خلال الوثائق الدامغة والتخطيط الدقيق، والتعاون بين جميع أجهزة الدولة، وعامة الشعب لكشف هؤلاء الذين يفسدون فى الأرض، ويبددون الأموال العامة، ويستغلونها لمصالحهم الخاصة، كل ذلك من منطلق قيمنا الإسلامية، ومصالح أمتنا، ووطننا بعيداً عن المصالح الشخصية والتسييس..

الفساد السياسي

أى الفساد المتعلق بأمن المجتمع، وهو ما يتعلق بالجرائم التى تمس أمن المجتمع والدولة جميعاً، وهو ضد الأمن والاستقرار الذى يعتبر من أهم الشروط الأساسية للاستثمار، والادخار، والتنمية، إذ بدون الأمن فسد كل شيء، وهاجرت رؤوس الأموال إلى الخارج، ولا يكون هناك تحمس لادخال رؤوس الأموال فى الداخل.

وقد سمى الاسلام الجريمة المتعلقة بأمن المجتمع والدولة: بجريمة الفساد فى الأرض، فقال تعالى: (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِى الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ).

وإذا نظرنا إلى العقوبات الواردة بحق هؤلاء المفسدين نراها أشدها فى الاسلام على الاطلاق، وذلك لخطورتها وآثارها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية…..

كما سماها الاسلام بجريمة الحرابة، أى محاربة الله ورسوله مأخوذة من بداية الآية السابقة الكريمة، فهؤلاء الذين يثيرون الرعب والذعر بين الآمنين، والفتنة والقتل بينهم، فهم يحاربون الله ورسوله بالفساد فى الأرض، والقضاء على الأمن والاستقرار الذى بدونه لن تتحقق التنمية والازدهار.

فالحرابة أو الفساد فى الأرض هى البروز لأخذ مال ونهبه أو لقتل، أو لارعاب، أو اعتداء على سبيل المجاهرة والمكابرة والاعتماد على القوة.

وفى رأيى أن أمن المجتمع والدولة يدخل أيضاً ضمن الضروريات التى يجب الحفاظ عليها كما سبق وأنه لن يتحقق إلاّ من خلال استقرار سياسى للدولة، بأن تكون معتمدة على العدل والانصاف، وليس على الجور والاعتساف، وأن تفسح المجال للحريات العامة، ولا تقوم بالقهر والاستبداد والكبت، فالشعب الخائف المرتجف أمام العقوبات والظلم والظلمات لن يكون قادراً على الابداع، وعلى التنمية، فالتجارب تدل على أن من أهم المشاكل التى تعوق التنمية والتقدم والازدهار هى الدكتاتورية والاستبداد السياسى وكبت الحريات، ولذلك ربط الله تعالى بين الأمن الاقتصادى والأمن السياسى وبين العبودية لله تعالى فقال تعالى: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِى أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ).

الحل الاسلامى للفساد فى الأرض

وللقضاء على الفساد السياسي، وتحقيق الأمن للمجتمع والدولة شدد الله تعالى عقوبة من يفسد فى الأرض من خلال القتل والصلب لمن قتل وأخذ المال، والقتل فقط لمن قتل، وقطع الأيدى والأرجل من خلال لمن أخذ المال واعتدى على الأموال بالقوة والعنف، والتحدى لهيبة الدولة، والحبس أو النفى لمن أخاف الناس وأحدث الرعب والذعر فى قلوب الآمنين، هذا على رأى الجمهور من الفقهاء (منهم الامام مالك ): أن الإمام أى الدولة مخير بين هذه الجزاءات الأربعة بحسب ما تقتضيه المصلحة على تفصيل ليس هذا محله ولكنهم قالوا: يجوز للدولة الحكم بالقتل، أو الصلب، أو كليهما، أو بالقطع، أو النفى لمن أخاف السبيل وأدخل الذعر فى قلوب الآمنين إذا اقتضت المصلحة ذلك، بأن كان مجرماً كبيراً له سوابق اجرامية سابقة مثلاً.

ولا يكتفى الاسلام بالعقوبات مهما كانت رادعة، وإنما يطلب كل الجهد لتربية إنسان صالح مصلح يحافظ على الأمن والأمان بكل الوسائل المتاحة، فبين الله تعالى أن المؤمن العادل البعيد عن الظلم هو أحق بالأمن فقال تعالى: (….. فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) فالأمن فى الاسلام له منزلة كبيرة، والاعتداء عليه إثم وجريمة يعاقب عليها، وقد شدد الله فى اثم كل يروع آمناً حتى ولو كان طيراً، أو حيواناً، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (من أشار إلى أخيه بحديدة، فإن الملائكة تلعنه حتى ينزع، وإن كان أخاه لأبيه وأمه).

ولذلك فإن الحفاظ على أمن الفرد والمجتمع والدولة فريضة على كل ملسم أن يبذل أقصى جهده لتحقيقه، وضرورة للتنمية والازدهار، وللتقدم والحضارة والابداع والابتكار.

الفساد البيئي وأثره على الاقتصاد

فقد عرّفنا فى السابق بالفساد حيث كان من معانيه الضرر، والاخلال، والخروج عن الاعتدال، وضد الصلاح، ويستعمل كذلك فى الأشياء الخارجة عن الاستقامة…..

والبيئة لغة من باء: أى رجع إليه، وفى القرآن الكريم: (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ) أى جعلوا المدينة بيئة لهم، قال الطبري: (اتخذوا مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم فابتنوها منازل ).

فالبيئة هى المنزل، ثم توسع معناها لتشمل فى عصرنا الحاضر المنزل الكبير، أو كل ما يحيط بنا، وهذا ما ذكره المؤتمر العالمى للبيئة فى استوكهوم عام 1972، حيث عرفها بانها: كل شيء يحيط بالانسان.

وقد أشار القرآن الكريم إلى شمولية البيئة، وواجب الانسان نحوها بعدم الافساد فقال تعالى: (وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِى الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ آلاء اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِى الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) حيث ذكر القرآن الأرض وما فيها من قصور وبيوت، ونعم الله تعالى المتمثلة فى تهيئة العيش الكريم من الماء والهواء وكل ما يعدّ من آلاء الله، ثم ختم ذلك بقوله: (وَلاَ تَعْثَوْا فِى الأَرْضِ مُفْسِدِينَ).

فعناصر البيئة تشمل الجمادات، والسوائل المتوافرة فيها، والغازات المختلفة، والقوى المحيطة من الجاذبية، والقوة الحرارية، والقوة الضوئية، وقوة الرياح، إضافة إلى جميع الحيوانات، والنباتات والأشجار، وما فى البحار واليابسة من كائنات حية، وما شيده الانسان على الأض من منازل وقصور ونحوها والنظام البديع للعلاقات المتبادلة والمترابطة بين الموجودات لتحقيق كون موزون، كل ذلك ذكره القرآن الكريم ضمن ثلاثة أطر:

الاطار الأول: الاستدلال بها على وجود الخالق وقدرته وإرادته وإبداعه.

الاطار الثاني: للتذكير على أعمية هذه النعم، ووجوب الشكر عليها، والحفاظ عليها، ووجوب السعى الحثيث للاصلاح والتعمير، وحرمة الافساد والاضرار والاخلال، فقال تعالى: (وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ).

الاطار الثالث: أن كل ما حدث من فساد فى الأرض هو بسبب الانسان، وبذلك استوجب العذاب فى الدنيا والآخرة فقال تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِى عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) ويقول تعالى: (الَّذِينَ طَغَوْا فِى الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ).

فعلى ضوء ذلك فإن الفساد البيئى فى هذا البحث يقصد به: التصرفات الضارة التى تؤدى إلى تلوث ما يحيط بالانسان من أرض وهواء وسماء، وتغير خواصه، بحيث يترتب عليها الضرر والاخلال بالتوازن.

فالفساد البيئى يؤدى إلى تحول المكونات المفيدة المحيطة بنا إلى مكونات ضارة، أو أنها تفقد قيمتها، ودورها الطبيعي، فهو تغير غير طبيعى فى الخصائص الفيزيائية، أو الكيميائية بما يضر الحياة فى كوكبنا.