استنكر فضيلة الشيخ د.علي محيي الدين القره داغي الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الحصار المفروض على قطاع غزة. وقال: «إخوانكم في فلسطين يعانون أشد المعاناة من قضايا الاستيطان والمستعمرات اليهودية الصهيونية، والعالم ساكت لا يتحرك رغم أن ذلك مخالف لكل القوانين الدولية، وإخواننا في غزة محاصرون، وحتى الوقود لا يصل إليهم، ومعظم المستشفيات تعطلت بسبب توقف الكهرباء في معظم الأماكن، وكلكم تعلمون بشدة الحرارة في هذه الأيام في كل الأماكن، خاصة في غزة التي تكتظ بالسكان، فنناشد حكامنا ونناشد كل إنسان فيه ضمير وإحساس بالمسؤولية أن يقف مع هذه القضية، قضية رفع الحصار عن غزة وتوصيل الوقود، وشكر الله لدولة قطر حيث أرسلت وقودا، ولكنه إلى يومنا هذا لم يصل إلى داخل غزة».

وقال فضيلته في خطبة الجمعة أمس عن مصر: «ينبغي علينا جميعا أن ندعو الله حتى في قنوتنا أن يحفظ مصر من ثورة مضادة، من الردة، لأن الأموال الكثيرة التي بذلت والمليارات التي صرفت ووزعت على الناس أثرت على كثير من الناس، فنسبة الفقر في مصر قد وصلت إلى %60 في ظل الحكم السابق، والفقراء مهما كانوا محتاجون، ونحن حكاما ومحكومين نتحمل جزءا من هذه المسؤولية في أن يصل إخواننا وأشقائنا في هذا البلد العزيز الذي وقف دائما مع قضايا الأمة على مر التاريخ، أن يصل بهم الفقر إلى هذه المرحلة، وحتى بعض الحكام يدعمون هذا التوجه بأن يدعم من فلول النظام السابق، خوفا مما استطاعت وسائل الإعلام من تشويه للإسلاميين، رغم أنهم لم يجربوا حتى الآن في الحكم ولا في أي شيء، مع أنهم كان لهم مشاركة فعالة في الثورة، واستطاع الإعلام أن يقلب الحق إلى الباطل، وأن يقلب الباطل إلى الحق، وأن يجعل من الحبة قبة، وهكذا فعلوا، فمن واجبنا الدعاء والتضرع إلى الله سبحانه وتعالى، وكل ما نستطيع أن نفعله، حتى تبقى هذه الثورة محققة مقاصدها، رغم أنني مقتنع تماما في داخل نفسي أن الشعب المصري في غالبه لن يتأثر أبدا بهذه الأمور ولن يختار إلا من يمثل الثورة».

ونعى ما يجري لسوريا فقال: «رغم كل المجازر، ما زالت معظم الدول متمسكة بمشروع عنان الذي فشل تماما، وأعطت لنظام بشار الأسد، الذي أصبح الأسد يستحيي أن يسمى بذلك؛ لأن الأسد من عادته حينما يفترس لا يفترس إلا بقدر حاجته، ويأكل منه شيئا ثم يتركه لبقية رعيته، أما هؤلاء فلا يرعون في الله أي شيء، وكما ترون يقتلون النساء والأطفال، وهم فعلا أشد من الوحوش الكاسرة، ويجب على أمتنا الإسلامية حكاما ومحكومين أن يكون لهم دورهم وضغوطهم بكل الوسائل، لإنهاء هذه المشكلة، أولا يكفي القتل والتشريد في 17 شهرا؟ أوما تكفي هذه المهلة؟ حان الوقت أن نتضرع إلى الله بأن ينصر إخواننا في سوريا وأن يعجل بنصرهم.

لا إفراط ولا تفريط

وقال فضيلته: «ما زلنا نتحدث عن الحقوق المتقابلة التي فرضها الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة لتكون أمة وسطا، ولتكون أمة متزنة موزونة، لا يكون فيها إفراط ولا تفريط، ولاسيما في الحقوق والواجبات، وذلك الإفراط أو التفريط حينما يحدث في الحقوق والواجبات فحينئذ يتحقق الظلم والظلمات، وحينئذ لا تهتدي الأمة سبيلها إلى الطريق الصحيح، ولن تكون على الصراط المستقيم الذي فرضه الله سبحانه وتعالى، وأمرنا أن ندعو دائما بأن يهدينا سواء السبيل، وأن يهدينا الصراط المستقيم، وسواء السبيل هو الوسط، والصراط المستقيم هو الطريق العدل الذي لا ميل فيه لا إلى هذا ولا إلى ذاك، وهذا إنما يتحقق إذا عرف كل إنسان ما له وما عليه، وأدى كل مسلم ما عليه من واجبات، ثم بعد ذلك قد يطالب بحقوقه وقد لا يطالب بحقوقه في الدنيا، وإنما يفوض أمرها إلى الله، ومن هنا تكون السكينة، ويكون السلم، ويكون الهدوء، وتكون السكينة والاستقرار والاطمئنان. أما في ظل الجشع والتصارع والصراع بين الناس في كسب المزيد من الحقوق دون النظر إلى ما عليهم من واجبات فستكون هناك المشاكل والمصائب، وستكون هناك الصراعات التي تنتهي دائما بالمشاكل، وتنتهي بالابتلاءات على جميع المستويات. ركز القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة على أن تصبح هذه القضية -قضية الحقوق المتقابلة- ثقافة أساسية، وأن تصبح مكونا أساسيا من مكونات تفكير المسلم، ومن ثقافته وعقيدته وتعامله وسلوكه. نرى القرآن الكريم كثيرا ما يركز على هذا الجانب، وقد قلنا إن جميع الأمور في هذه الدنيا تقوم على هذه الحقوق المتقابلة.

الحقوق المتقابلة بين الجيران

وتحدث عن الحقوق المتقابلة بين الجيران، بين الجار وصاحبه، فقال: «تقوم هذه الأمور على هذا الأساس، فلو كان كل واحد يقوم بواجبه لما احتجنا إلى أي شيء، ولما وقعت مشاكل ومصائب، ولما وقعت الأمور الخطيرة في بعض الأحيان بين الجار وصاحبه، فالله سبحانه وتعالى يأمرنا في قوله سبحانه وتعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا}، فبين الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة أن العبودية لله سبحانه وتعالى، وأن توحيده وعدم الإشراك به مرتبط أيضا بتنفيذ ذلك، وتنزيل ذلك على مستوى السلوك والتصرفات، فليس الإسلام مجرد إيمان في القلب، ولا مجرد توحيد، وإنما توحيد الله سبحانه وتعالى يقتضي أن تكون معه العلاقات الجيدة والسلوكيات الطيبة والقيم السامية مع هذه العبودية لله سبحانه وتعالى، بل إن كل ذلك على سبيل الحقيقة يدخل في العبودية بمعناها الشامل، ومن هنا جمع الله سبحانه وتعالى مع العبودية المحضة لله وتوحيده وعدم الإشراك به مجموعة من الحقوق والواجبات، من أولها الإحسان إلى الوالدين، وكذلك إلى الأقارب، وتحقيق صلة الرحم وواجبات القرابة، ثم انتقلت الآية بعد ذلك مباشرة بـ «واو الجمع» بين كل هذه الأمور دون ترتيب ولا تراخ ودون تعقيب، حتى تصبح هذه الأمور كلها مجموعة واحدة تمثل الإسلام الصحيح في عقيدته وفي سلوكياته وفي تصرفاته وفي تعامل المسلم مع الله ومع الوالدين ومع الأقارب ومع الجيران والأصحاب ومع الناس أجمعين».

ثلاثة حقوق

وفصّل هذه الحقوق بقوله: «جاءت الآية الكريمة وبينت مراتب هذه الحقوق، بأن الجار المسلم القريب له ثلاثة حقوق: حق الإسلام، وحق الجيرة، وحق القرابة، وأما الجار المسلم فقط فله حقان: حق الإسلام، وحق الجيرة، وأما الجار غير المسلم فيبقى له حق الجيرة، ويدخل هذا الجار في جميع الآيات والأحاديث التي أمرتنا بإحسان إلى الجار. ثم بين الله سبحانه وتعالى {والجار ذي القربى والجار الجنب}، أي الجار القريب والجار البعيد، وقد فسرت هاتان الكلمتان تفسيرين: أحدهما عند الجمهور، فـ {الجار ذي القربى} وهو الجار القريب أي من حيث القرابة والنسب، والجار الجنب أي الجار الذي ليس قريبا لك، وفسرت كذلك {الجار ذي القربى} بالجار القريب من حيث المكان، و {الجار الجنب} أي البعيد من حيث المكان، وكلا المعنيين صحيح، وإن كان المعنى الأول هو الأصح وهو الأظهر عند جمهور المفسرين».

حق الأصحاب وحق الأصدقاء

وقال فضيلته: «ثم بين الله سبحانه وتعالى بقية الحقوق وهي حق الأصحاب وحق الأصدقاء الذين وإن لم يكن هناك ارتباط القرابة أو حتى ارتباط الدين فيبقى لصاحبك ولصديقك أيضا حق، كما بين الله سبحانه وتعالى حقوق هؤلاء الذين كانوا سابقا عبيدا واليوم ينطبق عليهم هؤلاء الذين يعملون داخل البيوت وتحت إمرة الإنسان من العمال والخدم والشغالات ونحوهم، وكل هؤلاء وإن لم يكونوا مما ملكت أيمانهم ولكنهم يدخلون ضمن ما يقع تحت تصرف الإنسان ولك ولاية عليهم، فأمرنا الله سبحانه وتعالى بالإحسان إليهم كما أمر الله سبحانه وتعالى بالعبودية لله، وبنفس المستوى وبنفس القوة».

وقد فصل النبي صلى الله عليه وسلم حقوق الجار بشكل أكثر تفصيلا، فقد روى الإمام البخاري ومسلم وغيرهما بسندهم عن عائشة وابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه. أي حتى وصل بالأمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظن أن الجار لو مات فسيرثه جاره، إلى أن نزلت آيات من سورة النساء بينت أن الإرث لا يشمل في مسألة الجيرة، وإنما القرابة نظمها القران الكريم بآيات من هذه السورة.

والله لا يؤمن

وأضاف مستشهدا بالسنة: «وكذلك روى الإمام البخاري ومسلم بسندهما وفي صحيحهما وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن! قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه. أي شخص جاره لا يأمن شروره ليس مؤتمنا، وحينما يصل الجار إلى هذه المستوى فالرسول صلى الله عليه وسلم حلف ثلاث مرات بأنه لا يؤمن. وقضية لا يؤمن ليس المقصود به الكفر العنادي لله سبحانه وتعالى، فالكفر وعدم الإيمان في القرآن وفي السنة المشرفة يطلق على مراتب، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: كفر دون كفر وفسق دون فسق ونفاق دون نفاق، فهذا لا يعني أن هذا الجار صار كافرا أو خرج من الملة، وإنما المقصود به الإيمان الكامل، مقتضى الإيمان، مقتضى الدين والعبودية لله، ومقتضى الإسلام، أما الحكم بالتكفير فهذا غير جائز، حتى لا يظن ظانٌّ، كما ورد عند الغلاة الذين يتساهلون بالتكفير يستشهدون بهذه الآيات، بدليل قوله سبحانه وتعالى أيضا حينما فرض الله الحج قال: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} أي كفر النعمة، فالكفر ليس هنا الجحود، لذا فتارك الحج ليس كافرا بإجماع المسلمين بدليل قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}.

بُعد عن الإيمان

ورأى فضيلته أن هذا الحديث النبوي الشريف يدل على شدة عقوبة هؤلاء، وأنهم مهددون أن تصل مرتبتهم إلى مرتبة الكفر وإن لم يكونوا كافرين، فلا يجوز لنا أن نقول هذا الجار كافر لأنه فاسق أو أنه فاجر، وإنما يطلق عليه: بعيد عن الإيمان الحقيقي، وأن هذا ليس من مقتضى الإيمان الحقيقي. وقد أردت توضيح ذلك حتى لا يفهم من مثل هذه الأحاديث، الفهم الخاطئ الذي يظنه بعض الغلاة في تسهليهم للتكفير على كل من يرى من المسلم سوءا أو كبيرة، يحكم عليه بالكفر، وهذا ليس من منهج السلف ولا منهج أهل السنة والجماعة، وإنما منهج السنة وأهل الجماعة عدم التكفير إلا إذا كان الكفر لله سبحانه وتعالى وكان الكفر ظاهرا بواحا، كما نص على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحينما ينفي النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان فهذا دليل على شدة عقوبة هؤلاء، وعليهم أن يرتدعوا، وحينما يحلف الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك فهذا دليل أيضا أن هذا الشخص قد يتعرض عند موته لفتنة الشيطان، لأن الشيطان عند الغرغرة وعند الموت يأتي إلى الإنسان فيزين له الأمور، وإذا لم تكن العقيدة قوية، وإذا لم يكن الإيمان ثابتا، فإنه لا سمح الله قد يسجد ويغتر ويخرج من الإيمان في هذه اللحظة الخطيرة.

فلا يؤذ جاره

وروى كذلك عن الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما بسندهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت» من كان إيمانه حقيقيا، إيمانا بالله الذي أمره بالإحسان إلى الجار، وإيمان باليوم الآخر بأنه يعذب بهذا العمل وأنه لن ينفعه أحد، ومن كان يؤمن بيوم القيامة والجنة والنار وبالحساب فلا يؤذ جاره، فليكرم ضيفه وليقل خيرا أو ليسكت. هذه حقيقة جماع الأمور جُمعت في هذا الحديث النبوي الشريف، أن يكون الإنسان غير مؤذ لجاره، وأن يكون مكرما لضيفه، وأنه عندما يتكلم إما أن يتكلم الخير أو يصمت، وفي رواية لمسلم بهذا المعنى يقول: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره. فالحديث الأول للإيذاء أي لا يؤذ جاره، والحديث الثاني للإثبات أي لا يؤذ بل يحسن إلى جاره.

وقد ورد كذلك في حديث ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «خير الأصحاب عند الله تعالى خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره». أي أن الخيرية تثبت لمن كان خيرا لجاره، وخير الأصحاب من كان خيرا لأصحابه، أي أن المعيار في الإحسان والخيرية يعود إلى من كان خيّرا ومكرما ومحسنا وغير مؤذ لجاره، فهذه الخيرية وضع لها الرسول صلى الله عليه وسلم ميزانا عمليا يكمن في أن تكون محسنا إلى جارك، ومحسنا إلى أصحابك وأصدقائك، وهو فعلا معيار حقيقي بأن الإنسان لا يعرف إلا بالجيرة والصحبة، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سأل رجلا: هل تعرف فلانا؟ قال نعم وزكاه، فسأله عمر: هل صاحبته في السفر؟ قال: لا، قال: هل تعاملت معه بالدرهم والدينار؟ قال: لا، قال: هل هو جارك الذي تعرف مدخله ومخرجه؟ قال: لا، قال: فلعلك رأيته في المسجد يميل رأسه يمنة ويسرى؟ قال: نعم أراه في المسجد، فقال له: اذهب. فالميزان ليس الصلاة فقط رغم أهميتها، بل الميزان أنك تصلي وهو الأساس ثم بعد الصلاة تطبق ما تريده الصلاة: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} أما من كان يبكي في المسجد ويصلي في المسجد ثم يؤذي جاره ويأكل الحرام فأي قيمة لهذه الصلاة إن لم تنه عن الفحشاء والمنكر؟