06-12-2009

أكد د. علي محيي الدين القرة داغي رئيس لجنة الأقليات في إتحاد العلماء المسلمين أن أهل الكتاب الذين يعيشون داخل الدول الإسلامية لهم كامل الحقوق التي توجبها المواطنة والأخوة في الإنسانية.. وأوضح أن ولاء المسلمين وتعاونهم وتماسكهم ليس ضد أحد وإنما للدفاع عن النفس في مقابل ولاء الكافرين بعضهم لبعض. وقال إن آيات القرآن تثبت عدم وجود ثقافة الكراهية بين المسلم وعدوه حيث يتمنى المسلم لعدوه الخير والود.. وأشار إلى أن الذين يتهمون الإسلام بالعنف والإرهاب مخطئون ويكفي أن 600 آية بالقرآن فيها ذكر الرحمة والرأفة والعناية بالجوانب الإنسانية.. جاءت تأكيدات د. القرة داغي في معرض إجابته على تساؤلات زوار بوابة «إسلام أون لاين» حول موضوع (الإسلام والآخر.. صراع أم تعايش؟)

¶ من هو الآخر؟ هل الغرب فقط أم غير المسلمين عامة؟

يقصد بـ (نحن) المسلمون وبـ (الآخر) غير المسلمين من أهل الكتاب وغيرهم.

فالمراد بيان العلاقات بين الطرفين في حالات السلم والحرب والمعاهدات على ضوء الكتاب والسنة والسيرة النبوية العطرة، وسيرة الخلفاء الراشدين بقدر الإمكان، وما ذكره فقهاؤنا العظام بمختلف مدارسهم الفقهية.

ونحن نحاول -بإذن الله تعالى- أن نذكر أهم المبادئ التي تحكم هذه المسألة بشيء من التفصيل والتأصيل مع الترجيح لما يرجحه الدليل دون التأثر بالماضي ولا بالواقع منطلقين من الفعل وليس من رد الفعل لما نراه على الساحات الإسلامية وغير الإسلامية.

ولكن الطريق نحو الآخر يمر عبر طريق الذات (أي الذات الإسلامية والعلاقات الإسلامية) ومن هنا نذكر أهم المبادئ التي تحكم هذه العلاقات، لأن الذات إذا كانت غير موجودة أو غير متماسكة فلا تقاوم ولا تقدر على أن تقف أمام الآخر، ولا أن تحاوره حوارا عادلا قادرا على كسب حقوقه.

التعاون مع غير المسلمين

ما الدور الذي ترونه واجبا على الأئمة والدعاة -ومن قبلهم الجامعات والمعاهد الشرعية التي توجههم- في توجيه المسلمين نحو فهم معنى التعايش والتعاون مع غير المسلمين على مبدأ قول الحق تبارك وتعالى {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}.

أود أن أبين أن هناك مجموعة من القواعد والمبادئ المشتركة والأصول الجامعة التي تحكم هذه العلاقة بين المسلمين وغيرهم وبدونها نكون غير واصلين إلى مقاصد الشريعة في جميع الآيات التي تتحدث عن هذه العلاقة، ومن جانب آخر فلا بد من الفصل بين حالة الحرب وميزانها وحالة السلم والدعوة وميزانهما وإلا وقع لبس وخلط في الفهم والمعايير وأدى بنا إلى إهمال بعض الآيات على حساب آيات أخرى.

بينما من خلال النظرة الشمولية والنظرة الجامعة بين جميع الآيات نستطيع أن نوزع هذه الآيات نفسها على هذين الميزانين: ميزان الحرب، وميزان السلم والدعوة دون الحاجة إلى القول بالنسخ.
وهذه القواعد والمبادئ كالآتي:

أولا: الإسلام يؤكد على الأصول المشتركة بين جميع من ينسب إلى الإنسانية فيما يأتي:

إننا جميعا من آدم وحواء، فأبونا واحد وأمنا واحدة، ثم نعود نحن جميعا إلى التراب والماء، وهذا أصل مشترك بين المسلم وغير المسلم، وهو أصل ينبني عليه بعض الحقوق مما يسمى بحقوق القرابة العامة، أو الأخوة العامة، وهذا ما أشارت إليه بداية سورة النساء حيث ختمت الآية العظيمة: (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) حيث فسر المحققون الأرحام هنا بهذه الأرحام العامة التي تجمع الإنسانية جمعاء.

ومن هنا يأتي تعبير القرآن بتسمية الأنبياء إخوة لأقوامهم، (أخوهم نوح.. أخوهم صالح.. إلخ) فالمقصود بهذا الأصل نوع من التقارب بين بني الإنسان جميعا من حيث هو.

الأصل الثاني: الجامع بين بني الإنسان جميعا هو: أن هذا الإنسان مسلما أو كافرا فيه نفخة من روح الله تعالى (ونفخ فيه من روحه) فهذه النفخة تعطي للإنسان كرامة وبالتالي لا يجوز الاعتداء على أي إنسان فيه هذه النفخة الربانية إلا إذا أذن له صاحب هذه النفخة وهو الله سبحانه وتعالى فالمسلم حين يقرأ هذه الآيات التي تتحدث عن هذه النفخة الروحانية من الله سبحانه وتعالى للإنسان يقف محترما لأي إنسان مهما كان إلا بحق، وهذا الحق يقدره الشرع فقط، وليس الإنسان نفسه.

ومن هنا تأتي الآيات الكريمة التي تتحدث عن كرامة بني آدم مطلقا (ولقد كرمنا بني آدم) ولم يقل ربنا تبارك وتعالى: ولقد كرمنا المسلمين.

الأصل الثالث: أن الإنسان من حيث هو إنسان مستخلف في الأرض فأعطاه الله سبحانه وتعالى هذه الوظيفة على الرغم مما أشار إليه الملائكة حيث قالوا: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون) الآية سورة البقرة.

فعملية الاستخلاف اقتضت أن يكون لهذا الإنسان عقل وإرادة وعلم، وبذلك استحق الإنسان أن يسجد له الملائكة سجدة تقدير واعتراف وليس سجدة عبودية.

وعملية الاستخلاف هذه المطلقة تعطي بعدا آخر للإنسان المسلم أن يعيش مع غيره لتعمير الأرض لأن تعمير الأرض ليس خاصا بالمسلم وإنما يشترك معه غيره وهذه القواعد هي التي تجمع المصالح المشتركة لتعمير الدنيا بين المسلمين وغير المسلمين، وهذا بلا شك يؤدي إلى أن تكون العلاقة علاقة تعايش وتحاور وليس علاقة صراع وحرب.

ثانيا: المبادئ الحاكمة:

فرض الإسلام مجموعة من المبادئ الحاكمة في هذا المجال نذكرها بإيجاز:

1 – تحقيق العدالة بين بني البشر جميعا.

2 – المساواة في الحقوق والواجبات من حيث المبدأ.

3 – الأصل الحوار وليس الصراع. وأن الأصل التعايش وليس التصارع.

4 – السعي الحثيث لبيان القاعدة المشتركة بين المسلم وغيره وهو البحث عن الحقيقة. فالإسلام إذا لم يجد أي علاقة بين مسلم وآخر، فيصنع شيئا آخر وهو البحث عن الحقيقة والبحث عن الحقيقة قاعدة جامعة بين بني الإنسان جميعا كما يقول الله تعالى: (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) فهذه الآية تدل على أن الله سبحانه وتعالى يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يدعو المشركين والملحدين جميعا إلى أن يبحثوا عن الحقيقة دون أن يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم أن الحقيقة معه.

بل يقول الله تعالى مؤكدا ذلك (قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون). فهذا قمة أدب الحوار حيث يسند إلى نفسه الكريمة احتمال أن فعله إجرام دون أن يسند إلى الآخر وهو الملحد المشرك أو فعله إجرام وذلك لجر رجله إلى ساحة الحوار، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مدى حرص الإسلام على الحوار بأي وسيلة كانت، ولا أعتقد أن هناك دينا يذكر هذا المبدأ بهذه الصورة المتواضعة مع أنه دين حق لا ريب فيه.

5 – عدم إصدار حكم عام على أي دين أو أي شعب أو أي طائفة حيث يقول الله تعالى: (ليسوا سواء) ويقول: (منهم الصالحون وأكثرهم الفاسقون) ويقول: (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك..). الآية

ثالثا: وضع الإسلام ميزانين: ميزانا خاصا للتعامل في حالة الحرب، وميزانا آخر في حالة السلم والدعوة، فجميع آيات الشدة والحرب خاص بحالة الحرب، وجميع آيات الرفق واللين خاصة بحالات الدعوة والسلم، وجميع آيات العدالة والمساواة عامة للحالتين.

يدل على ذلك الآيات الثلاث في سورة الممتحنة ومع الأسف الشديد فإن جميع المفكرين لا يذكرون إلا آيتين وهما (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم) (إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم).

أما الآية الثالثة التي لا يذكرها الكثيرون فهي الآية التي قبل هاتين الآيتين والتي تؤصل الجانب الفكري والإيديولوجي وهي قوله تعالى: (عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم) هذه الآية الكريمة تثبت عدم وجود ثقافة الكراهية بين المسلم وعدوه حيث يتمنى المسلم لعدوه الخير والود وهذا الذي طبقه الرسول صلى الله عليه وسلم عندما كان يؤذى أشد الإيذاء في مكة والطائف ومع ذلك يقول: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، وقد عرض عليه من قبل ربه أن يهلك قومه فرفض ذلك، ولعل الله يخلق من أصلابهم من يعبد الله.

دين رحمة لا إرهاب

¶كثيرا ما يتهم الإسلام بأنه المحرض على الشر والإرهاب ووسائل الإعلام العربية قبل الأجنبية ترسم صورة قاتمة للإسلام بسبب الأعمال الإرهابية التي تنفذ باسمه أليست آيات السيف والولاء والبراء والكفار وعدم مشروعية زواج المسلمة من غير المسلم أليست هذه أسباب وجيهة لنعت الإسلام بالعنصرية واحتقار الآخرين؟

حينما نقرأ القرآن الكريم نجد أن أكثر من 600 آية فيها ذكر الرحمة والرأفة والعناية بالجوانب الإنسانية ويكفي أن المسلم حينما يبدأ عمله لا بد أن يبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم يكرر صفتين من صفات الرحمة وتبدأ صلاتنا كذلك بهذه الآية الكريمة وهي بسم الله الرحمن الرحيم وتتكرر كذلك في الفاتحة الرحمن الرحيم ومعنى هذا أن المسلم يقرأ في الركعة الواحدة أربع مرات كلمة الرحمن والرحيم، وإذا بدأ بسورة بعد الفاتحة فقد قرأ بسم الله الرحمن الرحيم وبالتالي فقد قرأ في ركعة واحدة ست مرات الرحمن الرحيم، أليست هذه تكفي لتصنع منه إنسانا متأثرا بهذه الصفة الإلهية وهي صفة الرحمة لكل البشرية، بل إن الله سبحانه وتعالى حصر رسالة محمد صلى الله عليه وسلم في الرحمة (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) فالإسلام في حقيقته وجوهره دين الرحمة والتطبيقات العملية للرسول صلى الله عليه وسلم وللخلافة الراشدة تدل على ذلك أيضا فتعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع غير المسلمين في حالة السلم وفي حالة الحرب أكبر دليل على ذلك وكذلك تعامل خلفائه، فقد رأى عمر رضي الله عنه يهوديا كبيرا في السن يعمل في مهنته وهو مرهق فلما سأله واطلع على حاله قال له عمر: إذن والله ما أنصفناك فأخذه إلى بين المال فرضخ له -أي أعطاه شيئا من المال- ثم أمر رئيس ديوان بيت المال أن يخصص له معونة وعطاء يكفيه وعائلته.

أما تصرفات بعض المسلمين اليوم إذا لم تكن مطابقة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي ليست حجة على الإسلام.

أما آيات السيف فهي خاصة بقتال المعتدين بنص القرآن الكريم فمعظم الآيات يخصص القتال بالمعتدين، وبعضها بالذين يقاتلونكم، وليس هناك آية واحدة في القرآن الكريم تأمر بالقتل المطلق دون أي سبب، وكما قلت في الجواب الثاني فإن حالة الحرب لها ميزانها الخاص، ولا يمكن أن يطبق هذا الميزان وهو ميزان استثنائي على حالات غير الحرب، ومع ذلك فالإسلام في حالة الحرب يأمر بالعدالة ويأمر بعدم قتل النساء والأطفال والشيوخ والعبيد من أي دين كان أي الرهبان وأهل الكنائس ما داموا لا يقاتلون وعدم قطع الشجر وأي إيذاء إلا ما تقتضيه ضرورة الحرب، إذن حتى في حالة الحرب فالإسلام لا يتسم بالشر والقسوة، وإنما بما تقتضيه ظروف الحرب.

أما الولاء والبراء فهما في حقيقتهما عبارة لتمايز المسلمين وتعاونهم فيما بينهم وتناصرهم بعضهم لبعض في مقابل ولاء الكافرين بعضهم لبعض وحربهم ضد المسلمين وتآمرهم الدائم كما قال الله تبارك وتعالى: (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) فولاء المسلمين أي تناصرهم وتعاونهم وتماسكهم ليس ضد أحد أبداً وإنما للدفاع عن النفس في مقابل ولاء الكافرين بعضهم لبعض، على سبيل المثال: لو استعرضنا الجانب التاريخي من عصر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا لوجدنا أن غير المسلمين هم الذين هاجموا المسلمين وأثاروا الصراعات والمشاكل بين المسلمين، والمسلمون حينما كان لهم القوة والقدرة أعطوا غير المسلمين كل حقوقهم كما شاهدنا في الأندلس بينما حينما جاء الصليبيون واحتلوا الأندلس لم يتركوا فيها مسلما ولا يهوديا، إما القتل أو التحريق أو التهجير أو التنصير حيث لم يبق بعد فترة وجيزة في كل الأندلس (إسبانيا والبرتغال وجزء من فرنسا) لم يبق فيها مسلم واحد ولا يهودي واحد، واليوم يحاول المسلمون أن يثبتوا للغرب ولكن معظم الساسة والمفكرين الغربيين وخاصة الأميركيين يتحدثون دائما عن صراع الحضارات وضرورة القضاء على الإسلام. فأكبر دليل على ذلك ما ذكره تقرير معهد راند وكذلك صموئيل هانتنغتون وكذلك فوكياما.

أما عدم مشروعية زواج المسلمة من غير المسلم فيعود إلى أن غير المسلمين لا يعترفون بالإسلام فتبقى المرأة المسلمة غير معترفة بدينها في حين أن المسلم حينما يتزوج اليهودية أو النصرانية يعترف بدينها ويترك لها حريتها الدينية والتعددية وغير ذلك، ثم إن هذه الجزئية تدخل ضمن إطار خاص في العلاقات الأسرية للإسلام فيها نظرة من حيث التربية ونحوها، علما بأن بقية الأديان في أصول دينهم لا يجيزون زواج المسيحي أو اليهودي من غير دينهم.

الغرب والإسلام

¶ما تقيممكم لنظرةالغرب للإسلام؟ وهل فعلا يعتبرونه دين الإرهاب؟

الغرب من خلال التراكمات الثقافية والدينية التي تركها الصليبيون والمستشرقون تكون لديهم هذه الفكرة بأن الإسلام هو دين الإرهاب وهذا ما صرح به كثير من مفكريهم ومن قادتهم السياسيين مع أن هذا كما قلنا في الجواب السابق بعيد عن روح الإسلام وحقيقته.

الحوار بين المسلمين أولا

¶ أليس من الأولى أن تتسع الصدور للحوار بين أبناء العقيدة الواحدة والدين الواحد قبل الدعوة للحوار مع الآخر غير المسلم؟

أولا نحن نشكرك كذلك على هذه الصراحة، ولكن أود أن أبين أمرين أساسيين:

الأمر الأول: أن موضوعنا اليوم هو نحن والآخر وهذا لا يعني أن هذا الموضوع أهم من موضوع الحوار مع الذات أي بين المسلمين أنفسهم وتأكيدا لهذا أقول إنني حينما كتبت بحث (نحن والآخر) إلى مجمع الفقه الإسلامي، كتبت فصلا خاصا عما تفضل به السائل الكريم، وقلت: الطريق إلى الآخر لا بد أن يمر بالذات وأقصد بالذات أي الذات الإسلامية تكون واحدة، ثم وضعت له مجموعة من القواعد والمبادئ التي تحكم العلاقة بين المسلمين جميعا وهي: الأخوة الإيمانية، بعيدة عن كل تحزب ثم الحقوق المتقابلة ثم قاعدة النصرة والموالاة، وقاعدة وجوب الوحدة وحرمة الاختلاف في الثوابت، وقاعدة قبول الآخر، من خلال مبادئ وقواعد تحكم هذا التعدد، أو كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: التعدد الذي يكون من باب التنوع وليس من باب التفرق.

ثم ذكرت بعد أنه لا بد أن تلتف الأمة حول الثوابت، وتقبل بالاجتهادات المخالفة في نطاق المتغيرات فلذلك صدرنا واسع بل مؤيد لما تفضلت به، ولكن هذا لا يمنع من أن نبين العلاقة مع الآخر.

ثانيا: أن الإسلام دين شامل يعالج جميع القضايا بصورة جوهرية ففي الوقت الذي نحن نتحدث عن علاقتنا بالذات لا بد أن نتحدث عن علاقتنا بالآخرين وبالأخص في هذا العصر الذي اتهم فيه الإسلام بالإرهاب والعنف.

ثالثا: لا شك أن شريكنا في المبادئ وإن أخطأ فهو في دائرة الذات الإسلامية ولكن علينا بإصلاح هذا الخلل من خلال التوعية فسيدنا علي رضي الله عنه لما خرج عليه الخوارج وكفروه لم يعلن عليهم الحرب بل أرسل إليهم وفودا واحدا تلو الآخر ليقنعهم بضرورة العودة إلى الطريق الصحيح فقد أرسل ابن عباس رضي الله عنهما إليهم وناقشهم وعاد معه أكثر من 4 آلاف شخص، وهذا دليل على ضرورة الحوار مع هؤلاء المخلصين ولكنهم ينقصهم الوعي فيرتكبون بعض الأخطاء، حتى وإن كان هذا الخطأ كبيرا، علينا أن ننظر إليهم بعين الرحمة وعلى العلماء أن ينزلوا فعلا إلى هذه الساحة، وربما نعمل حوارا آخر قريبا إن شاء الله نسميه الحوار مع الذات ونتحدث عن تفاصيل هذا الموضوع.

المحافظة على مصطلحاتنا الفقهية

¶ لماذا نساوم على مصطلحاتنا الفقهية التي تميز بين المسلم والكافر إرضاء للآخرين هل استبدال مصطلح كافر بغير المسلم سوف يوقف حملات التشويه المسعورة على الإسلام هل افتراءات هوليوود وبعض الأقلام التي لها عقدة مريضة من الحق من التوقف على النباح الفكري هل سيوقف رسامي الكاريكاتير في الدنمارك وغيرها عن الاستخفاف بعقائدنا لماذا معاييرنا تحت المجهر ومعاير الآخرين لا يجوز ذكرها بسوء وإلا سننعت بالتخلف؟ هل رسم سور القرآن الكريم على ثدي امرأة وجهة نظر مقبولة والتعبير القرآني لغير المسلم إهانة وتحقير للآخرين وأخيرا أقول: الحق هو القوة.

أولا: نحن ملتزمون بمصطلحات القرآن، والقرآن الكريم حينما خاطب اليهود والنصارى لم يخاطبهم بالكافرين، رغم أنهم كفرة وإنما وصفهم بأجمل الوصف فقال تعالى: (قل يا أهل الكتاب) (يا أهل الكتاب) تكرر هذا النداء الجميل في القرآن الكريم في معظم السور التي تحدثت عن اليهود والنصارى، وحتى المشركين، لم ينادهم رب العالمين، بالكافرين، إلا مرتين، منها في المفاصلة حول موضوع معين فقال تعالى: (قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون) وإنما عبر القرآن الكريم في معظم السور المكية وغير المكية بالناس (يا أيها الناس) ولذلك جعل علماؤنا ورود (أيها الناس) علامة أن السورة مكية وورود (يا أيها الذين آمنوا) علامة على كون السورة مدنية،

وإن كان هذا المعيار ليس دائما لأن القرآن الكريم استعمل (يا أيها الناس) أيضا في السور المدنية، ولكن القصد التعبير بيا أيها الناس يقصد به غير المسلمين ففي أول آية (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون) وهكذا فالمقصود به عامة الناس وعندما يريد الله تبارك وتعالى مخاطبة المؤمنين يخاطبهم بقوله (يا أيها الذين آمنوا) فالقصد من ذلك أن القرآن يتحرى المصطلحات المحببة ويدعو إلى السمو والرقي بالإنسان في تعامله مع الغير، ومن هنا فمصطلح غير المسلمين، ليس مصطلحا يقصد به محاباة غيرنا وإنما هو أسلوب من أساليب الدعوة التي أرشدنا إليه القرآن الكريم كما ذكرت.

ثم إن الدعوة الإسلامية وهي الأساس وأمتنا أمة الدعوة كيف تتحقق مع أسلوب التحقير والزجر والتنفير، فهل تستطيع أن تدعو شخصا وتناديه بمصطلحات نابية ثم تريد أن تقنعه بالإسلام، أعتقد أن هذا غير ممكن. نحن نتأدب بأدب القرآن اقتداء برسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم الذي كان خلقه القرآن دون النظر إلى رد فعل الآخرين ولا يجوز أن نتأثر بفعل الغير في تغيير مسالكنا وأخلاقياتنا قال الله تعالى: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) فنحن قوم عدول إن شاء الله تعالى.

وإذا كان سيدنا علي رضي الله عنه ينزعج من أنه ينادى أمام القاضي بالكنية ولا ينادى اليهودي بنفس الكنية فماذا نحن نفعل في سبيل دعوتنا. وكما قلت أخي الحبيب إن الإسلام له ميزانان ميزان الدعوة وميزان الحرب، ففي ميزان الحرب لا بد أن نستعمل الشدة والغلظة ولكن تحت ظلال العدل، وفي حالة السلم والدعوة لا بد من استعمال الرأفة والرحمة والأساليب المحببة والبحث عن القواعد المشتركة، لتحبيب الإسلام وإدخاله في قلوب الناس، “لأن يهدي الله بك رجلا خير لك من حمر النعم)، فهذه هي أمنيتنا لإيصال هذه الرحمة إلى قلوب الناس جميعا بجميع الأساليب المحببة والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.

أسلوب الدعوة في الغرب

¶ كيف يمكن للمسلم الذي يعيش في الغرب مثلا أن يتعايش مع الآخرين خاصة غير المسلمين وهل يجب عليه دعوتهم للإسلام. وما أنجع الطرق لدعوتهم، وهل يؤثم من لا يبلغهم خاصة إذا كان غير متمكن من لغتهم. ومعاملاته معهم جيدة؟

يجب على كل مسلم ومسلمة أن يكون له نصيب في الدعوة إلى الله تعالى كما قال تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) فقد حصر الله الفلاح في الدعوة إلى الخير والقيام بواجب الدعوة ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: بلغوا عني ولو آية.

وأنجح الطرق هي الدعوة بالقدوة الحسنة، والأخلاق الطيبة والسلوكيات الحسنة، ويأتي بعدها أو معها الدعوة بالقول والفعل سواء عن طريق الوعظ أو الكتابة أو التلفاز أو المذياع أو نحو ذلك.

حقيقة الجزية علي الكتابيين

¶ كيف نتكلم مع الغرب عن التعايش، وبين ظهرانينا علماء حاصلون على أعلى الشهادات في العلم الشرعي ويدعون إلى قتال غير المسلمين كافة سالموا أم لم يسالموا حتى يعطوا الجزية وهم أذلاء وكيف نعتذر عن جهل هؤلاء؟

لا شك أن ما ذكره السائل من القواعد والمبادئ الحاكمة مأخوذة كلها من القرآن الكريم التي تدعو إلى هذا الأساس وهو أساس التعايش وقبول الآخر وتحقيق العدالة، والمساواة. بل استعمل القرآن الكريم كلمة في غاية من الجمال والروعة، لم تستعمل إلا مع الوالدين كما جعلت هذه الكلمة صفة من صفات الله هذه الكلمة الجميلة وهي كلمة (البر) استعملت في تعاملنا مع غير المسلمين الذين لا يقاتلوننا ولا يتظاهرون على قتالنا، كما قال تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) فالعلاقة بين المسلمين وغير المسلمين داخل البلاد الإسلامية هي علاقة البر والعدل، والبر أكثر من العدل أما ما يقال من القتال المطلق لغير المسلمين واستعمال الكلمات القاسية فهو خارج عن أدب القرآن، ووسيلة الرسول صلى الله عليه وسلم.

أما مسألة الجزية فالجزية هي ضريبة مالية فرضها الإسلام على غير المسلمين الذين يعيشون في البلاد الإسلامية كما فرض الإسلام الزكاة على المسلمين، وليس هناك مانع من التعبير عن هذه الكلمة بأي كلمة أخرى كما قبل عمر رضي الله عنه من بني تغلب أن يدفعوا بدل الجزية الزكاة، فمسألة الجزية هي مسألة ضريبة مالية، وهي تسقط على الصغير وعلى الكبير وعلى النساء ولا تؤخذ إلا من القادرين على العمل، وهذا دليل أن هذه الجزية لا تؤخذ مقابل الكفر، ولو كان كذلك لشملت الكبير والصغير،

والنساء والرجال، ولما أمكن تغيير محتواه، ثم إن هذه فرضت على الذين قاتلوا المسلمين ثم بعد ذلك تم التصالح معهم أو استسلموا في حالة الحرب وقبلوا بدفع الجزية، ولذلك لم يفرض الرسول صلى الله عليه وسلم الجزية على اليهود في بداية الأمر عندما كانوا في المدينة لأنهم كانوا مواطنين ودخلوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم بحلف ووثيقة رسمية أعطى لهم الرسول صلى الله عليه وسلم فيها جميع حقوق المواطنة حسب عرفنا الحاضر ولم يفرض عليهم الجزية، ولذلك إذا انخرط المواطنون المسيحيون بحكم مواطنتهم في الجيش وقاتلوا مع المسلمين ضد أعداء الوطن كما حدث في العاشر من رمضان المبارك فهم حينئذ غير مطالبين بالجزية لأنهم أصبحوا يقاتلون مع المسلمين وليسوا مقاتلين ضد المسلمين، فشتان بين الحالتين. والخلاصة إن ما يثار حول الجزية مسألة ليست دقيقة، وكما قلنا فهي من باب الضرائب التي تدل على ولاء هذه الطائفة التي قاتلت ضد الدولة الإسلامية،

 فعلى ضوء ذلك يجب أن يثبتوا ولاءهم وبما أنهم لا يكرهون على الدين، بل يقرون على دينهم وأن دينهم محفوظ ومحمي إذن يقدمون الولاء للدولة الإسلامية من خلال دفع ضريبة مالية يمكن أن تسمى بالجزية ويمكن أن تسمى بغيرها. ففي نظرنا أن أهل الكتاب الذين يعيشون (مسيحيين وغيرهم) داخل الوطن الإسلامي لهم كامل حقوقهم من حيث المواطنة وغيرها وعليهم الواجبات نحو وطنهم كما دل على ذلك وثيقة الرسول صلى الله عليه وسلم مع اليهود إضافة إلى أن الإسلام يعطيهم حريتهم الكاملة في أداء شعائرهم وتعبدهم بل وتطبيق بعض القوانين الخاصة بهم ويحمي ممتلكاتهم حتى وإن كانت محرمة في نظر الإسلام، حيث يوجب الإسلام الغرامة والتعزير إذا اعتدى مسلم على خنازير أهل الكتاب أو خمورهم ما دامت داخل بيوتهم وأماكنهم الخاصة بهم،

كما أن المسلم يقتل إذا قتل غير مسلم وهذا رأي عدد من الفقهاء، كما أن ديته أيضا تساوي دية المسلم عند بعض الفقهاء. وهذه الأقوال الفقهية وصل إليها الفقهاء قبل عدة قرون، قبل أن يعرف حقوق الإنسان وأن يصدر عام 1948م وثيقة إعلان حقوق الإنسان. وفي هذا الوقت الذي كان الإسلام يعطي كل هذه الحقوق لم يكن هناك دين ولا نظام يقبل بوجود دين آخر في أرضه حتى بين اليهودية والنصرانية، فكانت هناك صراعات شديدة جدا كل فريق يريد القضاء التام على الفريق الآخر والاضطهاد الشامل للآخر، في الوقت الذي كان الإسلام يتيح فيه هذه الحرية لغير المسلمين، ويصل غير المسلمين إلى مناصب عالية في الخلافة الأموية والعباسية، والعثمانية.