كشف { كورونا، كفيد 19} عورات الدول المتقدمة اقتصادياً وتقنياً وعسكرياً في المجال الصحي، حيث تبين أنها لا تتوافر الأجهزة الكافية لعدة آلاف من مرضى الكورونا ــ وليس الملايين ـــ مثل الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر أكبر قوة عسكرية واقتصادية في العالم، وإيطاليا، وإسبانيا اللتين تعدان أيضاً من الدول الأوروبية الغربية المتقدمة، حتى بلغ الأمر فيهما إلى مرحلة الفضيحة، وبخاصة إيطاليا التي تعد ثالث أكبر اقتصاد وطني في منطقة اليورو، وثامن أضخم اقتصاد على مستوى العالم، وهي عضو في المجموعة 7، والمجموعة 20، ومع ذلك وصل الجانب الصحي فيها إلى مستوى أن تساعدها روسيا وغيرها، وأن لا  تجد الأجهزة الكافية للتنفس، أو الإنعاش لحوالي 26000 ألف مريض، فقد نشرت BBC العربية في 17 / 3 / 2020م أن أطباء إيطاليا يضطرون لعلاج بعض المرضى وترك آخرين لمصيرهم، بعد تكدس المستشفيات، ولذلك تجاوز عدد الوفيات بسبب هذا المرض حتى اليوم 23 / 3 / 2020م إلى 6078 شخصاً.

وأضافت BBC أن كريستيان سالارولي، رئيسة وحدة الرعاية المركزة في مستشفى بيرغامو من مدينة لومباردي لصحيفة (كوربيرى ديلا سيرا):" إذا كان عمر الشخص بين 80 و95 عاماً، ويعاني من ضيف تنفس شديد فمن غير المحتمل أن يحصل على العلاج"، ثم قالت: إنها كلمات بالغة الصعوبة، ولكنها للأسف حقيقة".

وكذلك الحال في معظم المستشفيات والكليات الإيطالية الخاصة بالرعاية المركزة، حيث لا تعتمد على أسبقية التسجيل، وإنما على السن، فمثلاً توجد في المناطق الشمالية من لومباردي التي انتشر فيها كورونا 1800 سريراً فقط في المؤسسات الخاصة والعامة، وقال سيتافانوماغنون الطبيب في مستشفى لومباردي لــــ BBC:" الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم؛ لأننا وصلنا إلى الحدود الاستيعابية القصوى… ونفدت الموارد تماماً في مقاطعتنا سواء البشرية، أو التكنلوجية، لذلك نحن في انتظار أجهزة تنفس جديدة، وسماها بعض الأطباء بتسونامي كورونا بإيطاليا.

وفي إسبانيا ــــ حسب الجزيرة24 / 3 / 2020م إن الجيش الإسباني عثر على عدد من جثث المسنين ماتوا في دور الرعاية، حيث أعلن رئيس الأركان يوم الإثنين24 / 3 / 2020م أن 14 مركزاً في مدريد تعتبر من أكبر بؤر الوفيات بين المسنين عموما". 

 

 

وأمريكا التي هي أكبر قوة اقتصادية وعسكرية وتقنية في العالم تعاني من نقص المواد والأجهزة الطبية، وبخاصة في مدينة الرأسمالية نيويورك، حيث طلب عمدتها من الرئيس ترامب التدخل من خلال الجيش لتوفير  المواد الصحية المطلوبة، حتى أعلن الرئيس حالة الطوارئ؛ لأجل كورونا، واعتبر بعض الولايات من الولايات المنكوبة، ونشر قوات الحرس الوطني، وقال عمدة نيويورك بيل ديبلاسيو يوم الأحد 22 / 3 / 2020م:" تفصلنا عشرة أيام عن أن نرى أزمة شح واسعة النطاق، إذا لم توفر المزيد من أجهزة التنفس، فإن الناس سيموتون" حسب نقل BBC في 23 / 3 / 2020م.

هكذا اكتشف وباء كورونا ضعف النظام الصحي في العالم الرأسمالي المتقدم في المال والاقتصاد والغناء والرفاهية، وفي التقنيات المادية، حتى لما جاء ترامب 2016م ألغى النظام الصحي (أوباما كير) الذي كان يغطي حوالي 32 مليون أمريكي في مقابل زيادة ضرائب على إيرادات الأسهم والفوائد المصرفية تصل إلى 3.8%، ولكن ترامب اعتبر ذلك عبئاً على كاهل الأغنياء فألغاه دون بديل، ولذلك توجد عشرات الملايين من الأمريكيين دون الرعاية الصحية.

وبالمقابل فإن الدول المتقدمة صرفت عشرات المليارات على نجوم كرة القدم، والغناء والرقص والأفلام ونحوها، حتى قالت باحثة بيولوجية إسبانية:" تمنحون لاعب كرة قدم مليون يورو شهرياً، ولباحث بيولوجي 1800 يورو، وتبحثون عن العلاج الآن"؟، اذهبوا لكريستيانو رونالدو، أو ميسي حتى يجدوا لكم العلاج"، نشرته (Az Sport)، وهاجمتها دفاعاً عن كرة القدم.

هذا الخلل الخطير في الاستهانة، أو عدم الرعاية المناسبة بما يتعلق بالجانب الصحي، بل بكرامة المسنين نابع من الفكر الرأسمالي الذي لا يريد إلا تعظيم الربح وتحقيق الرفاهية لمن له المال، ومن أعظم أنواعها بالنسبة لهذا الفكر كل ما يشبع رغباتهم وشهواتهم وأهواءهم.

ونرى دولة قطر ــ حفظها الله ــ تهيئ نفسها لاستقبال 18000 ألف سرير، مع أن عدد المصابين حتى اليوم في حدود 500 شخص، وهذا يعبر حقاً عن اهتمام قيادتها بالإنسان مواطناً ومقيماً، واعتزازها به، حفظها الله تعالى، ووفقها للمزيد.

فهل يمكن ما أحدثه كورونا من هذه الهزات العنيفة والزلازل المرعبة على مستوى الإنسان وأنشطته أن يعيد الإنسان إلى سلوكه السوي من العناية بالعلوم ليست للغلبة والاستكبار والاحتلال، بل لخدمة الإنسان والكون؟

 

 

وهل يمكن لكورونا إقناع العالم المتطور بأن تطوركم وتقدمكم لن يغنيكم شيئاً إذا لم يهتموا بالإنسان بشكل عام، وبصحته وكرامته مع قطع النظر عن جنسه ولونه وجنسيته؟

وهل يمكن لكورونا أن يوحد العالم ليس في مواجهته فقط، بل لتكوين حلف إنساني على غرار حلف الفضول الذي شارك فيه الرسول r قبل بعثته من أجل المظلومين والفقراء والمنكوبين؟

وهل يمكن لكورونا بأن يقنع الدول المتقدمة بأن العالم بمثابة قرية صغيرة، وأن أمنها وكرامتها وصحتها ونظامها الاجتماعي واحد، لا يمكن أن يتجزأ؟، وحينئذ تحول كورونا إلى خير للإنسانية جمعاء فذكرها بعيوبها فأصلحتها.

العلم والقراءة في ظلال الربوبية لخدمة الإنسانية

إن العلم اليوم طغى في معظم البلاد، وأوصل صاحبه إلى تحدي الله تعالى، بل تحدي النظام الكوني، حيث لا يهمه إلا تعظيم الربح وتحقيق الرفاهية لفئة محدودة، بل للاحتلال والاستعباد والاستغلال والهيمنة على ثروات المستضعفين.

لذلك أنزل الله تعالى كتابه الخاتم الذي بدأ بالأمر في أول آية بالقراءة الشاملة للكون والإنسان والكتب المؤدية إلى الإيمان الخاشع في محراب العلم، وطلب أن يكون ذلك العلم والقراءة الشاملة في ظلال الربوبية وباسم الرحمن الرحيم الرب، حتى تكون رحمة للعالمين، فقال تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ*خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ}[1].

ثم طلب الله تعالى أيضاً من رسوله ومن خلاله أمته أن تكون قراءتهم شاملة، وأن يكون علمَهم الإبداعي في ظلال كرامة الإنسان ــ أي إنسان ــ، ولخدمته وحقوقه، فقال تعالى: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ*الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ*عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}[2].

واليوم مع الأسف الشديد غاب الشرطان الربانيان عن التقدم العلمي والتقني ـــ كما نشاهده في هذه الحضارة المادية ـــ كما غاب عن الساحة العلمية المسلمون تماماً، فتركوها لغيرهم، فتخلفوا في معظمهم وتقدم غيرهم، ولكن دون تحقيق الشرطين الربانيين المطلوبين.

 

 

فالمطلوب من المسلمين أن يقودوا العالم أخلاقياً، إن لم يقودوه علمياً وتقنياً، وهذا واجبهم الذي تقتضيه الوسطية القائمة على الشهود الحضاري {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}[3].

أنانية الرأسمالية حتى بين الرأسماليين

وكشف (كورونا) أيضاً أنانية الرأسمالية الغربية، وبخاصة الرأسمالية الأمريكية التي لا تنظر إلا ذاتها ومصالحها، حتى مع صديقاتها مثل أوروبا التي لم تقدم لها أي مساعدة في هذه المحنة، بل قطعت الرحلات بينها وبين أمريكا دون تشاور مع قادتها، الذين غضبوا من هذا التصرف، كما أن روسيا والصين، وهما في معسكر آخر قدمتا المساعدة إلى إيطاليا، والعرب، بل إن أوروبا الموحدة لم تتحرك نحو مساعدة البعض كما نراه اليوم، مما يؤذن بتفكيك الاتحاد الأوروبي.

فهذا الجفاء بين البعض، والجفوة للآخرين، والتعامل بمنطق الدولار فقط، فقد عبر الرئيس ترامب تماماً عن هذا المنطق المادي مع الجميع، فلا شيء بدون مقابل: نحميكم بالفلوس، نحمي طائرة القادة بالفلوس، بل مع الإذلال والإهانة، ولذلك سقطت هيبة أمريكا ـــ لو كانت لها هيبة ــ.

وأعتقد أن كورونا يعجل بسقوط أمريكا وفضح أنانيتها، وكان أحسن رد على صفقة القرن التي كانت أمريكا التي كانت تريد أن تمنح الأرض المباركة القدس الشريف وبقية الأراضي الفلسطينية للمحتلين، وأن يدفع العرب بدلها وقيمتها حتى يخسروا مرتين.

فالعالم اليوم في ظل كورونا هو غير العالم الذي كان قبله، وأعتقد أنه سيشكل نظاماً جديداً بإذن الله تعالى بعد ذهاب كورونا، لعل المسلمين يكون لهم دور فيه من خلال إبراز عظمة دينهم التي انكشفت من خلال هذه الأزمة، ومن خلال وحدتهم القائمة على العدل وكرامة الإنسان، وتحريره من ذل العبودية إلى عز الحرية، وإنقاذه من الظلمات إلى النور، ومن الشتات إلى الوحدة والتآلف، ومن الضعف إلى الشهود الحضاري، وما ذلك على الله ببعيد.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين


[1] – سورة العلق (1ــ2)

[2] – سورة العلق (3ـ4ـ5)

[3] – سورة البقرة (143)