الثاني عشر: مركزية الرؤية في القصة:

تبدأ القصة برؤيا يوسف، وتدور معظم فصولها حولها، فقد بدأت السورة في آيتها الرابعة بقوله تعالى: ( إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ   حيث فسرها له سيدنا يعقوب، ثم جاء تأويلها في الآية ( 100 )، ( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا  وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا  وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي  إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ  إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيم)  .

الثالث عشر: دقة التعبير القرآني في ذكر (المِلك)

أن السورة تشير إلى أن سيدنا يوسف لم يكن في عهد الفراعنة، وإنما كان في عهد أحد " الرعاة" الذين سماهم المصريون " الهكسوس"، والذين عرفوا شيئاً من دين الله بسبب قربهم من إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ويعقوب، بدليل ما جاء في قول النسوة: ( فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ )  ، وقول امرأة العزيز: ( وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ )  ، وبالتالي وجدت هذه الآثار الإيمانية في المجتمع على شكل ضعيف، ولكنها انتشرت بشكل أفضل في عهد يوسف، خلال فترة حكمه، ثم طرد الفراعنة " الرعاة" واضطهدوا بني إسرائيل للبعد العقدي، ولا يستبعد أن يكون بجانب هذا السبب أنهم أتوا إلى مصر في عهد" الرعاة" وأنهم نشروا دين التوحيد بقدر الإمكان، وهذا ما جاء في قول مؤمن آل فرعون: ( وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءَكُم بِهِ  حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا).

الرابع عشر: حكم الرؤيا وأنواعها:

أن القصة تتضمن ظاهرة واضحة في الاهتمام بالرؤيا، وهي رؤيا يوسف التي عليها تبنى القصة، ثم رؤيا الفتيين اللذين دخلا السجن، ثم رؤيا الملك التي ترتب على تأويلها خير كثير.

ولذلك نتطرق إلى حكم الرؤيا وموقف الإسلام منها بإيجاز:

1 –إن هذه السورة نفسها تدل على ثبوت الرؤى والاعتداد بها؛ سواءً كانت من مؤمن أم غيره.

2 –إن أول ما بُدِئ به رسول الله ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ من الوحي؛ الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح  .

3 – هناك أحاديث صحيحة تدل على أن ما يراه الإنسان ثلاثة أنواع:

أ‌-الرؤيا الصادقة، فهي من الله تعالى، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( الرؤيا الصادقة من الله

وقوله ــــ صلى الله عليه وسلم  ـــ: ( رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)  .

ب‌- الحلم، وهو من الشيطان، فقال صلى الله عليه وسلم: (الحلم من الشيطان)  ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( إذا لعب الشيطان بأحدكم من منامه فلا يحدثن به الناس)

ت‌- أضغاث أحلام أو أحاديث النفس، وهي تفاعل للنفس تجاه الواقع، والمواقف التي يمر بها الإنسان، فتستخرج هذا المخزون في شكل أحلام، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( الرؤيا ثلاثة؛ الرؤيا الصالحة بشرى من الله  ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا من الشيء يحدث به الإنسان نفسه )