لم تكن للمرأة حقوقها المدنية والاجتماعية ـ ناهيك عن الحقوق السياسية ـ في ظل الحضارات السابقة على الإسلام ، حتى لم تكن لها الأهلية في ظل القانون الروماني ، وأن بعض الحضارات تنظر إليها باعتبارها شراً لا بدّ منها ، وفي العصر الجاهلي كان الوأد نصيب كثيرات منهنّ ، وفي معظم الحضارات القيدمة كن كالمتاع تورث ـ كما هو معروف ـ[1] .

  وحينما جاء الإسلام نظر إلى المرأة نظرة أخرى فأعطى لها كرامتها الكاملة وإنسانيتها ، وأصّل هذا المبدأ من خلال أن أصلها مع الرجل واحد ( أنتم بنو آدم وآدم من تراب )[2]  ثم ( مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ )[3] أي مخلوطة من ماء الرجل الذي يحمل 23 كرموسوماً ومن البييضة التي تحمل أيضاً 23 كرموسوماً ، وأن جميع الآيات الخاصة بكرامة بني آدم والإنسان وبالثواب والجزاء ، والحقوق والواجبات تشمل الطرفين ، ومع ذلك أكد ذلك من خلال قوله تعالى : ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)[4] وهذه الدرجة هي درجة إدارة البيت وتسيير سفينة الحياة بالتشاور والتراضي والمحبة والسكينة نحو برّ الأمان ، وقوله تعالى : ( لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ )[5] .

  بل إن القرآن الكريم نفي نفياً قاطعاً أن تكون المرأة الأولى ( حواء ) هي السبب في خروج آدم من الجنة ، وبالتالي المصائب التي حلت ببني آدم ، وتحميلها المسؤولية ، كما كان السائد لدى جميع الأديان السابقة ، حيث بينت الآيات بأن  الأمر بعدم القرب عن الشجرة كان شاملاً لآدم وحواء فقال تعالى : ( وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ)[6] وأنهما معاً اغترا بالشيطان فقال تعالى : ( فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ)[7] وأنهما معاً ارتكبا المخالفة فقال تعالى : ( فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ)[8] وأنهما معاً : ( بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ )[9]  كما أنهما تساوياً في زجر الله لهما فقال تعالى : ( وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ )[10] وأنهما معاً اعترفا بذنوبهما وتابا إلى الله تعالى : ( قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)[11] .  

  بل إن بعض الآيات تسند العصيان والمسؤولية إلى آدم فقال تعالى : ( وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى)[12] . 

  كما أن الآيات القرآنية تدل على مساواة الرجل والمراة في الأجر والثواب ، والعقاب فقال تعالى : ( إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)[13] .

  وقد ألغى الإسلام كل العادات والتقاليد التي تتنافى مع كرامة المرأة وإنسانيتها ، ولا يسع المجال لذكرها ، حيث شهد بذلك كل المنصفين من الرجال والنساء من المسلمين وغيرهم فقد شهدت كثير من النساء حتى صاحبات الفكرالتحرري بإن الإسلام هو دين الاصلاح الذي جاء لردّ الظلم عن المظلومين ولذلك كان لكون خديجة أول من أسلمت ، ولدور سمية وغيرها من الجواري اللاتي أسلمن ، ولدور أسماء بنت أبي بكر الصحابية الجليلة الثائرة السياسية المناضلة دلالات عظيمة تقول توجان فيصل : (حقوق المرأة في الإسلام كما في أحكامه الأخرى أحدثت النقلة السياسية والاجتماعية التي تفرق عهد الإسلام عما سبقه …. وفي الغاء التمييز وصولاً إلى حالة قادرة على الاستمرار … ان هذا النهج الاصلاحي هو ما يجعل الاسلام ديناً صالحاً لكل زمان ومكان )[14] .

  وفي عصرنا الحاضر تأخرت الدول المتقدمة اليوم في الاعتراف بحقوق المرأة السياسية بصورة عامة ، فلم يعترف لها بهذه الحقوق السياسية في أمريكا إلاّ في عام 1920م وفي بريطانيا عام 1928، وفي فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية ، مع أن المرأة نصف المجتمع ، وهو الشق الثاني الوحيد المكمل للمجتمع الإنساني ، ونصف القوى البشرية لأي مجتمع ، وهي التي تتحمل مسؤولية بناء الرجال وتربية الأبطال ، ولها النصيب الأكبر من المتاعب والمشاكل ، والتشرد والفقر واللجوء .

  وأمام هذه الواجبات فإن دورها السياسي لا يزال في العالم أجمع أقل بكثير من أدوارها الأخرى ، حيث تشير الاحصائيات إلى أن حجم تمثيل المرأة في البرلمانات العربية تتراوح بين 1% إلى 4% ففي مجلس الشعب المصري السابق فإن حجم مشاركة المرأة فيه في حدود 2.2% ، وحتى في العالم الغربي المتقدم فإن حجم تمثيل المرأة في مجلس العموم البريطاني 18.2% وفي الجميعة العمومية لفرنسا ( بلد النور والتحرر كما يقولون ) 6% ، وفي الدول الآسيوية تصلب إلى 19% وفي أمريكا اللاتنية 10% [15].

  ومن الجانب السياسي التطبيقي الخاص بالرئاسة فإن معظم الحضارات السابقة كالحضارة الرومانية ، والحضارة اليونانية والحضارة الصينية عجزت أن تقدم امراة واحدة لقيادة امبراطوريتها على مرّ تأريخها الطويل ، بل إن أمريكا منذ نشأتها إلى الآن لم تصبح امرأة واحدة فيها رئيسة لها .

  ولكن حقوق المرأة السياسية قد طرحت في القرن العشرين من خلال الاعلان العالمي لحقوق الإنسان ، حيث بدأ العمل في التوسع في دراسة الحقوق والحريات المعلقة وتدوينها في شكل قانون ملزم، ونتج عن هذه العملية بروز وثائق هامة ولها صلة مباشرة بوضع حقوق المرأة ولا سيما في المجال السياسي كالاتفاقية الخاصة بالحقوق السياسية للمرأة سنة 1952م و الاتفاقية الخاصة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة والتي أقرت عام 1979 وبدأ تنفيذها عام 1981 والأهم في هذه الاتفاقية أنها حددت وبشكل دقيق المجالات العالمية لهذه الحقوق وذلك من خلال ما نصت عليه المادتان من هذه الاتفاقية من ضرورة وكفالة المساواة مع الرجل في:

  1. التصويت في جميع الإنتخابات.

  2. الأهلية للترشيح.

  3. المشاركة في صياغة السياسات وتنفيذها

  4. شغل الوظائف العامة على جميع المستويات الحكومية.

  5. المشاركة في منظمات وجمعيات غير حكومية.

  6. تمثيل الحكومة في المستوى الدولي.

  7. المشاركة في المنظمات الدولية.

  ولكن ابرز سمات هذه الإتفاقية تأكيدها الصريح على الهدف المتمثل في تحقيق المساواة الفعلية إلى جانب المساواة القانونية، وهو ما انعكس على عدد من المواثيق والإعلانات الدولية الأخرى، وآخرها منها العمل الصادر عن مؤتمر المرأة العالمي الرابع الذي انعقد في بكين عام 1995 [16].

 

اشكاليات كبيرة أدت إلى ردّ  فعل غير متوازن في بعض الفكر الاسلامي المعاصر :

  في قضية المرأة حدثت اشكاليات كبيرة كان لها تأثير في الفكر الاسلامي القديم والمعاصر :

أولاً ـ خلط التقاليد والأعراف بالدين في مجال المرأة بشكل كبير ، وكان لهيمنة الرجال دور كبير .

ثانياً ـ مسألة سدّ  الذرائع التي حجزت عن المرأة تسعة أعشار حقوقها .

ثالثاً ـ أن الدفاع عن حقوق المرأة جاء في البداية على أيدي العلمانيين ومن يسمونهم بالمتنورين بالحضارة الغربية .

رابعاً ـ أن المستعمرين حاولوا ولا يزالون يحاولون استغلال موضوع المرأة لتحقيق مآربهم في الافساد وخلخلة النظام السياسي والاجتماعي للهيمنة والاستكبار .

خامساً ـ أن الدعوات الغربية والعلمانية كانت معاكسة تماماً للتوجه الاسلامي حيث ارادت الاباحية وثقافة الجنس والقضاء على الاسرة كما ظهر ذلك جلياً في المؤتمرات الدولية للنساء في القاهرة ، وفي بكين ، كما ظهر في كتابات كثيرة ووسائل الاعلام حيث نستطيع القول بأنه لا توجد قضية أثير حولها من المسائل مثل قضية المرأة .

سادساً ـ افراط الرحاكت النسوية في حقوق المرأة حتى فضلت المرأة على الرجال ، ورفع شعارات معادية للرجل مثل الحرب من أجل عالم بلا رجال[17] .

سابعاً ـ ارتباط بعض دوائر اتحادات النساء في القرنين ( 19 و 20 ) ، والمدافعين عن حقوقها بالدوائر الاستعمارية .

ثامناً ـ الهجوم على الاسلام بصورة عامة ، وبعض الأحاديث الخاصة بالمرأة مثل الحديث الذي يتحدث عن نقص عقل المرأة ، وانها خلقت من ضلع أعوج .

 

ردّ الفعل الاسلامي :

  أما النقاط السابقة كان لبعض الاسلاميين رد فعل عنيف حتى وصل بهم الأمر إلى التقليل من شأن المرأة ، ومنهم قائم على الدفاع عن كل ما هو موجود في التراث ، والتبرير لما حدث ، والتعليل لذلك ما استطاع إلى ذلك سبيلاً ، وساعد على ذلك وجود مناهج مستشددة حول المرأة ، ومدارس مدعومة أيضاً من دول ، ومستقوية بالتقاليد معها ، ولكن المفروض بل المطلوب هو أن لا ندافع إلاّ عن الحق ، وأن تكون نظرتنا إلى تراثنا العظيم نظرة غربلة فإفادة واستفادة ، ونظرة اختبار واختيار وانتقاء دون تقديس ولا استقصاء ، وبالتالي العودة إلى الينابيع الأصيلة لهذا الدين المتمثلة في الكتاب العزيز والسنة الصحيحة المطهرة ، ثم الاستفادة من كل قديم صالح ، ومن كل جديد نافع ، وأن الحكمة ضالة المؤمن فهو أحق بها أنى وجدها ، وذلك من خلال منهجية جامعة بين النصوص الشرعية كلها ، والنظرة إليها نظرة شمولية قائمة على مقاصد الشريعة ومبائدها العامة التي أصلت المساواة بين جميع البشر من الأصل ( كلهم من آدم وآدم من تراب ) وكلهم خلقهم الله تعالى من ذكر وأنثى ، وكلهم مخلوقون لتحقيق العبودية والاستخلاف كل بقدره ، كما يتضح ذلك فيما بعد .

  وأن الطريقة الصحيحة لهذا المنهج هو عدم التأثر بما يقال ويثار في الخارج ، وعدم التأثر بالموروث ما دام ليس نصاً ثابتاً ، ولا بالشروح والتفسيرات للنصوص ما دامت هذه التفسيرات غير منصوص عليها ، وما دامت النصوص تحتمل غيرها .

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

([1]) يراجع د. سعاد عبدالله الناصر : قضية المرأة ، كتاب الأمة العدد 97 ص 53 ، د. مثنى الكردستاني:حركات تحرير المرأة ص 42

([2]) رواه أبو داود في سننه الحديث 5116 ط. حمص (5/340) والترمذي الحديث 3950 وحسنه ونقل المنذري تصحيحه

([3])  سورة الانسان / الآية2

([4])  سورة البقرة / الآية228

([5])  سورة النساء / الآية32

([6])  سورة الأعراف / الآية19

([7])  سورة لأعراف/ الآية22

([8])  سورة لأعراف / الآية22

([9])  سورة الأعراف / الآية22

([10])   سورة الأعراف / الآية22

([11])  سورة الأعراف / الآية 23

([12])  سورة طـه / الآية121

([13])  سورة الأحزاب / الآية 35

([14]) مقالتها بعنوان : هل تصبح المرأة حصان طراودة ، المنشور في الجزيرة نت ، الأحد 18/8/1425هـ الموافق 3/10/2004م

([15]) أكرم عطا الله : مقالته الخاصة بالمشاركة السياسية للمرأة الفلسطينية ص 1 ، ويراجع : المرأة والحياة السياسية ، إصدار المركز المصري لحقوق المرأة ص 19 ، ودائرة الاحصاء المركزية في فلسطين ص 11

([16]) يراجع : عواطف عبدالماجد : رؤية تأصيلية لاتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة ، نشر مركز دراسات المرأة بالسودان

([17])  هبة رؤوف عزت : المرأة والعمل السياسي ط. معهد الفكر العالمي 1995 ص 63