بعد ذكر الاستكبار أكد الله تعالى على السنن ثلاث مرات، فلنتدبر في الآيات الثلاث الأخيرة من سورة فاطر، قال تعالى: {اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا*أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا*وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا}[1].

نجد فيها الإضاءات الآتية:

  1. أن الله تعالى كرر ثبات سنة الله تعالى مرتين بعد أن ذكر الاستكبار والمكر السيء، وأنه لا يحيق المكر السيء إلا بأهله، حيث خاطب رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم؛ ليطمئنه بأن سنة الله في أهل الاستكبار والمكر السيئ والظلم والطغيان والعدوان أن يعود مكرهم عليهم بالهلاك {هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ}[2]؟

كرر الله كذلك سنته في الآية نفسها، فقال تعالى: {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ}؟ وهذا مشعر أيضاً بأن سنة الله تعالى كانت قاضية، وماضية في القوم الظالمين الماكرين المكر السيء.

وهذا التكرار للسنن في آية واحدة لم يحدث في القرآن إلا في هذه الآية.

  1. يلاحظ ان الله تعالى ذكر مع آخر الجملة الأولى في هذه الآية: {تبديلاً} وكذلك تكررت في سورتي الأحزاب والفتح {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا}[3]، وذكر الله تعالى في آخر الجملة الثانية من آية فاطر {تحويلاً}، وتكررت الأخيرة في سورة الإسراء[4]، أي أن لفظ "تبديلاً" بعد ذكر سنة الله تكرر ثلاث مرات، وأما لفظ "تحويلاً" بعد سنة الله فقد تكرر مرتين.

التبديل هنا هو تغيير العقوبة إلى غيرها، وهذا يعني أن الله تعالى لن يغير العقوبة المقررة عليهم إلى نعمة، أو عقوبة أخف.

وأما التحويل أي تحويل العقوبة إلى أقوام أو أناس آخرين، أو إلى مكان آخر، أو زمن آخر.

وفي ضوء هذا: إن الله تعالى لن يُحوِّل عقوبتهم إلى آخرين.

وبناء على ما سبق فإن الآية التي نحن بصددها تحدثت عن الاستكبار في الأرض، والمكر السيء، فأكد الله ذلك بأن العقوبة المقررة عليهما لن تتبدل إلى غيرها، لا إلى نعمة، ولا إلى نقمة أخف، ولن تتحول إلى أشخاص آخرين، ولا إلى زمن آخر، ولا إلى مكان آخر، أي تقع العقوبة في وقتها ومكانها المحدد، وفي هذا أكبر تهديد للمستكبرين الظلمة.

  1. ويلاحظ أيضاً أن الله تعالى ذكر أولاً: {سنت الأولين} ثم ذكر {سنة الله} فإن المراد بسنة الأولين هنا هو سننهم في الاستمرار في الاستكبار والعلو والظلم والطغيان إلى أن يحيق بهم عذاب الله تعالى.

وفي هذا إشارة إلى عدل الله المطلق، ودلالة على أن سنة الله تعالى في أن عقوبتهم لن تتبدل، ولن تتحول؛ لأن هؤلاء الطغاة لا يتوبون، ولا يتحولون إلى صالحين عادلين، وعليه فإن سنة الله فيهم ماضية وقاضية لا تتبدل، ولا تتحول.

وإلى حال الطغاة المردة أشار بقوله تعالى حكاية عن سيدنا موسى عليه السلام، الذي عانى من فرعون وأعوانه أشد المعاناة: {رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ}[5].

  1. الجمع في الآية بين {استكباراً في الأرض} وبين {ومكر السيء} دليل على أن الطغاة ــــ رغم إمكانياتهم المادية والعسكريةـــــ لا يكتفون بها في ظلمهم وطغيانهم وعتوهم، بل يجمعون إليها جميع وسائل المكر والخداع والتحايل؛ لتحقيق مآربهم السيئة.
  2. قوله تعالى: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} فالمراد بلفظ" يحيق" النزول والإحاطة، أي أن المكر السيء ينزل على صاحبه، ويحيط به من كل جانب، والمكر السيء هو استعمال جميع الوسائل الخفية الذكية، وأدوات التحايل، والغش، والتغرير؛ للوصول إلى تحقيق الغايات الشريرة.

وهنا يبين الله تعالى لهم خيبة هؤلاء الماكرين المكر السيء، وخسرانهم، بأن عاقبة مكرهم ستؤول إليهم، وأن ذلك المكر السيء الذي أتقنوا فيه الوسائل سينزل عليهم، بل سيحيط بهم من كل جانب، إنْ عاجلاً أو آجلاً، فتلك سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلاً، ولا تحويلاً.

  1. وجّه الله تعالى في الآية اللاحقة الناس إلى أخذ العبر والعظات، من خلال السير في الأرض، والنظر في عواقب الأمم السابقة؛ للاستفادة من تأريخهم.
  2. ختم الله السورة بأن سنة الله في الرحمة واسعة، وشاملة، فقال تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا}[6]، وعلى هذه الرحمة نعيش، وهي أملنا ومرتجانا.

فقه الميزان في هذه الآيات:

  1. بين الله تعالى أن ميزان السنن ثابت لا يتغير ولا يتبدل، ولا يتحول، وأنه عام يعم جميع البشر، وشامل، ومطرد نفاذ السنن إذا توافرت شروطها.
  2. أن ميزان السنن يقوم على العدل المطلق ــ كما ذكرنا ــ حيث إن الطغاة يستمرون على الكفر والاستعلاء والعدوان والظلم والطغيان، فلا يتوبون إلى الله تعالى، ولا هم يذَّكرون، ولذلك فإن سنة الله فيهم بإنزال العقوبات عليهم، وإحاطتها بهم ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، ولا تتحول.
  3. إن ميزان السنن يقوم أيضاً على الفعل المختار، فقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}[7]، وكرر ذلك مرة أخرى، فقال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}[8].
  4. إن ميزان سنن الله لا يقوم على العقوبات فقط، وفقاً لما يأتي:
  • الأصل في سنن الله تعالى أنها تقوم على الرحمة الواسعة الشاملة، وأن رحمة الله فيها سبقت غضبه، وأن الله تعالى لن يحقق سننه في العذاب إلا بعد عدة إجراءات، ذكرها القرآن، وهي:
  • الإنذار المتكرر المعلل.
  • الاستمرار على الظلم والفساد والإفساد.
  • ثم نزول بعض العقوبات عليهم؛ للتذكير والإنذار العملي.
  • ومدّهم بنعم الله تعالى، أو أنهم أساساً في نعم الله الكثيرة من الأموال، والبنين، والقوة، والعمران.
  • ثم نزول سنة الله بالعقوبة المخصصة لهم.
  • وسنن الله تعالى في إنزال الخير والبركات والرحمات أكثر من سنن الله تعالى في العقوبات، فهذه هي الأصل، فقال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}[9]، وقال تعالى: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا}[10]، وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}[11].
  • وضع الله تعالى لتنزيل سننه بالعقوبة شروطاً وموازين دقيقة، لا يعلم جميعها ودقائقها وأسرارها إلا الله تعالى، ومن هنا يظن بعض الناس أن السنة تأخرت، ولكنها في الواقع لم يتوافر فيها ما يريده الله تعالى من الأسرار والموازين.

وهنا مذلة الأقدام والرؤى، فعلينا أن نؤمن بأن سنة الله قاضية وماضية وعامة وشاملة، وعلينا أيضاً أن نوقن بأن إنزالها يعود إلى الله تعالى، وإلى علمه الشامل المحيط وحكمته وإرادته.

هذا والله أعلم

 


[1] – سورة فاطر، الآيات (45،44،43)

[2] – سورة الأنعام، الآية (47)

[3] – سورة الأحزاب، الآية (62)، وسورة الفتح، الآية (23)

[4] – سورة الإسراء، الآية (77)

[5] سورة يونس، الآية (88)

[6] – سورة فاطر، الآية (45)

[7] – سورة الرعد، الآية (11)

[8] – سورة الأنفال، الآية (53)

[9] – سورة الأعراف، الآية (156)

[10] – سورة النساء، الآية (147)

[11] – سورة الأعراف، الآية (96)