الثالث والثلاثون : وصول أخيه إلى مصر ، ومحاولة إبقائه بطريقة ذكية:

قال تعالى : ( وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ  قَالُوا جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ  إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ )

وتتضمن هذه الآيات من الحكم والعبر ما لا تعد ولا تحصى، نذكر أهمها :

 

1ـ آوى إليه أي ضم إليه آخاه بنيامين ، ذكر الطبري : عرف أخاه ، فأنزلهم منزلاً ، وأجرى عليهم الطعام والشراب ، فلما جاء الليل رتَّب لكل اثنين مكاناً واحداً ، فبقي بنيامين فأخذه إلى غرفته ، فقال : أنا أخوك يوسف فلا تبتئس ، فلا تحزن ولا تيأس بما كانوا يعملون  ثم أخبره بما سيفعله حتى يبقى معه ، ثم يأتي بأهله أجمعين .

2ـ المراد بالسقاية هنا : مكيال ، وذكر المفسرون : إن السقاية والصواع بمعنى واحد ، وهي الإناء الذي كان يشرب به الملك ، ثم جعله يوسف مكيالاً موحداً حتى لا يكتالوا بغيره فيظلموا ، وقالوا : ثم جهزهم بجهازهم أي أعطى كل واحد منهم حمل بعير فأكرمهم ، وأعطاهم ، فأوفاهم ولكنهم قالوا: إن لنا أباً شيخاً كبيراً، واخاً غير شقيق بقي لخدمته، فأعطاهم بعيراً بحمله لوالدهم ، وجعل لأخيه ( بنيامين ) بعيراً باسمه أيضاً، وجعل السقاية أي الصواع ( المكيال ) في رحل أخيه ، وكان من فضة ، ثم أمهلهم حتى ابتعدوا عن المدينة ، فأذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون ، وقال : ألم نكرم ضيافتكم ونوفِ كيلكم ، ونحسن منزلتكم ، ونفعل معكم ما لم نفعل مع غيركم ووو .. ثم تسرقون صواع الملك فبئس ما تفعلون، وكلمة " العير " تشير إلى أن قافلتهم ما عدا البعيرين اللذين أهداهما يوسف كانت من الحمير .   

3ـ ولما سمعوا قول المنادي أقبلوا عليه وعلى من معه ماذا تفقدون ؟ قالوا فقدنا صواع الملك ولا نتهم به غيركم، لأنكم كنتم آخر قافلة ، ولمن جاء به حمل بعير ، وأنا ـ أي المنادي ـ به كفيل ـ فردَّ الإخوة ، وحلفوا بالله بأنهم لم يأتوا للفساد في الأرض ، وليسوا بسارقين ، فقال جماعة يوسف : فما جزاء الشخص الذي وُجد الصاع في رحله ؟ قالوا : جزاؤه هو نفسه ، يقول الطبري : " وكان الحكم عند الأنبياء يعقوب وبنيه أن يؤخذ السارق بسرقته عبداً يسترق" وقولهم: ( كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ)   أي أن الحكم السائد عندنا هو هكذا .

 

الذي يظهر من سياق الآيات ، أن يوسف ( عليه السلام ) جعل السقاية ( الصواع ) في رحل أخيه ، ولم يكن يعلم به الآخرون مثل المؤذن والمنادي الذي لما لم يجد الصواع تابع القافلة وقال لهم : إنكم لسارقون ، وبالتالي فقوله فيهم صحيح من حيث الظاهر ، كما أن يوسف لم يقل شيئاً مخالفاً للواقع ، فلم يتدخل في المجريات ، وإنما المنادي هو الذي باشرها .

وهذا أيضاً جزء من الكيد المشروع الذي قال الله تعالى فيه: (كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ)  

وقيل: إن النداء من يوسف، وبالتالي فإن نداءهم بأنهم لسارقون صحيح بناءً على تصرفهم في يوسف حيث أخذوه، وجعلوه عبداً فباعوه، أو تسببوا في بيعه، ولكن الراجح هو أن المنادي غير يوسف ( عليه السلام )

4ـ ثم لما لم يعترف إخوة يوسف بوجود هذا الصواع لديهم ، قام المنادي أو يوسف بتفتيش أوعيتهم قبل وعاء أخيه الشقيق ، ثم استخرجها من وعاء أخيه .

5ـ سمى الله سبحانه ذلك بقوله : (كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ  نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ)

أـ  سمى ذلك كيداً وهو كيد في الخير ـ كما سبق ـ

ب ـ هذه الآية تثبت مخالفة ذلك الحكم للقانون السائد في مصر

ج ـ إثبات أن العلم لا ينتهي ، وأن الإنسان مهما بلغ من العلم ، ففوق كل ذي علم عليم أعلم منه إلى ما لا نهاية ، وهذه القاعدة تؤكد للعلماء أن عليهم عدم القناعة بما توصلوا إليه ، وعدم الغرور مهما وصلوا، وبالتالي فعليهم السعي للمزيد والمزيد إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

6ـ إن قول الإخوة: (إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ)   أرادوا أن يقولوا : إننا نحن العشرة نختلف عن هذا الذي يختلف معنا في أمه مع أخيه السابق فهما سارقان سيئان .

يستفاد منه ما يأتي:

أـ إن الحسد والحقد والغيرة يعمي البصر والبصيرة، ويصبح غشاوة على العين، وغطاءً على العقل فهو مرض خطير يدفع بصاحبه أن يرى الحق الأبلج باطلاً والشرَّ الأعوج خيراً ، وإلا فما علاقة هذا الجواب ، أو القول بالحالة التي حدثت :