جريدة الوطن – الدوحة   

 

تنشر الوطن في رمضان عدة دراسات لفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور علي محيي الدين القره داغي الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ولعل من أهمها التي نفتتح بها أول أيام الشهر الفضيل الوثيقة التي وضعها فضيلته بشأن قضايا الجهاد، والعنف والخلافة، والولاء والبراء وهي من أهم القضايا المعاصرة التي تشغل وتشعل الحوار سواء بين المسلمين أنفسهم أو بين المسلمين والآخر.. وهي مفتتح دراسة موسعة وضع فيها تأصيلا لأهم قضايا العالم الإسلامي في القضايا المذكورة.

وأوضح في الدارسة أن الإسلام جاء رحمة، وبالرحمة والخير والشفاء للناس أجمعين، مضيفا:

لقد أراد الله تعالى لدينه الخاتم (الإسلام) أن يكون مصدقاً لجميع الكتب السماوية (من التوراة والإنجيل ونحوهما) ورحمة للعالمين، وخيراً وعدلاً للناس أجمعين فقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) سورة الأنبياء الآية 107 وقال تعالى (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا) سورة النحل الآية 30 فقد أنزله تعالى شفاءً لأمراض القلوب وعلاج النفوس وإرساء القيم السامية والأخلاق العالية، وترسيخ حقوق الإنسان وكرامته فقال تعالى (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى? كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) سورة الإسراء الآية 70 ولم يجعل في هذا الدين من عنت ومشقة وحرج فقال تعالى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) سورة الحج الآية 78 وقال تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) سورة البقرة الآية 185.

فالأدلة من الكتاب والسنة متضافرة بل أكثر من أن تحصى على أن هذا الدين جاء لتحقيق سعادة الانسان في الدنيا والآخرة، ولتحقيق التعايش والتعاون بين جميع الناس على الخير والبر والتقوى، وأنه جاء لتحقيق الأمن النفسي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي ولتحقيق السلم والسلام العالمي ولذلك اختير «الإيمان» الذي اشتق من الأمن ليكون الأساس في هذا الدين و«الإسلام» الذي اشتق من السلم والسلام ليكون الجزء الأساسي الثاني لهذا الدين، و«الإحسان» الذي اشتق من الإحسان مطلقاً (أي فعل الخير وتوصيل المنفعة إلى الناس بل إلى الحيوان والبيئة) ليكون الجزء المكمل لهذا الدين.

إن مقاصد الشريعة العامة تنصُّ بالاجماع على الحفاظ على ضروريات الإنسان (من الدين والنفس، والعقل، والمال، والنسل، والعرض)، وحاجياتها، ومحسناتها، بل تنميتها، ودرء المفاسد والأضرار عنه.

لماذا هذه الوثيقة؟

هذا الدين الرحيم برسالته، والخير بعظمة آياته، والنافع بتطبيقاته، والقدوة بما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم حتى مع أعدائه، والرائع بعصوره الزاهرة والرائدة أريد له تشويه صورته المشرقة، وسيرته العطرة من خلال محاولات الأعداء، والجهلاء لوصمه بالعنف والقسوة والشدة، وتساعدهم على ذلك في التبرير تصرفات قلة من المسلمين في استعمال العنف، والتفجيرات ضد المدنيين الأبرياء تحت لافتة «الجهاد» هذه الكلمة الجميلة التي اشتقت من الجهد الذي اشتق منه الاجتهاد، حيث يقصد منه بذل كل الجهود (بالمال والنفس، والاعلام، والكلمة والقدوة) لتوصيل الخير والدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة إلى الناس اجمعين، وما القتال إلا دفاع عن حقوق المستضعفين، ورد على المعتدين وطرد للمحتلين، ومنع عن ظلم العالمين ودفاع عن حرية الاديان وأماكن عبادتها في اول آية نزلت في القتال فقال تعالى (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا، وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى? نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ، وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا، وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) سورة الحج الآية 38-39

فالآية واضحة في أن الجهاد شرع لدرء الظلم، ولتحقيق حرية العبادة، وأماكن العبادة التي تشمل أماكن العبادة لليهود والنصارى وللمسلمين وغيرهم.

ومع الأسف الشديد وجد في عصرنا بعض من يدعي العلم أنه يفتي بجواز تفجيرات ضد المدنيين، وحتى بتكفير بعض المسلمين لأجل مخالفتهم لرأيهم. فهؤلاء المفتون الذين ينطلقون من التكفير إلى التفجير، ومن بعض الأدلة الجزئية إلى نسف مقاصد الشريعة، ومن ذرائع غير مسلمة إلى القضاء على الأهداف العظيمة والغايات النبيلة للإسلام، ومن بعض الآراء المتشددة إلى التعصب البغيض.. يخرجون من دائرة العلماء حتى لو كان لديهم العلم كما قال الإمام الشافعي وغيره.

وأمام هذا الواقع الأليم الذي استغله اعداء الإسلام أو الجهلاء ولاسيما اليمين المتطرف لتشويه صورة الإسلام والمسلمين حتى أطلقوا شعار الخوف من الإسلام (إسلاموفوبيا) وطرد الأقلية الإسلامية في بعض الدول.. كان لزاماً على علماء الأمة أن يكون له موقف واضح ورأي ثاقب ورؤية نيّرة وبصيرة نافذة، لذلك قدمت هذه الوثيقة التي تمخضت عن البحوث والدراسات وقرارات المجامع الفقهية وفتاوى العلماء في مختلف أرجاء العالم الإسلامي، وانبثق ثلة من علماء الامة المجتمعين في مؤتمر موسكو برعاية وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة الكويت، والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

وهذه الوثيقة عامة لجميع المسلمين، ولكننا أردنا تنزيلها بصورة خاصة على منطقة القوقاز، والمناطق التي يعيش فيها المسلمون داخل روسيا، مما تقتضيه الحاجة إلى تحرير القول فيه، وتأصيله تأصيلاً شرعياً بعيداً عن الخلافات الفقهية في بعض النوازل والمستجدات، معتمدين على الأدلة المعتمدة من الكتاب والسنة وعلى قرارات المجامع الفقهية حيث تستهدف الوثيقة جمع الكلمة، ولم الشمل من خلال التركيز على المبادئ العامة والقواعد الكلية، والأحكام الأساسية لتكون جامعة شاملة تحقق مرجعاً شرعياً للعمل الإسلامي المعاصر في روسيا (وغيرها) حيث يعود معظمها إلى فتاوى جمع من علماء الأمة الربانيين المشهود لهم برسوخ العلم، والتجرد للإسلام، والبعد عن أي مصلحة دنيوية لهم في هذه الفتوى، وإنما يريدون خير هذه المنطقة وجمع المسلمين فيها على كلمة سواء وعلى المنهج الوسط المعتدل الذي رسمه لنا القرآن (وَكَذَ?لِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) سورة البقرة الآية 143.

الموضوع الأول: مفهوم الجهاد وآية السيف

كان الجهاد بالكلمة والحجة والبيان ونشر القرآن هو السائد في العصر المكي حتى سماه القران الكريم الجهاد الكبير فقال تعالى (وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) سورة الفرقان الآية 52 وكان الجهاد يشمل جهاد النفس، وجهاد الشهوات والشيطان، ونحو ذلك مما يسمى بجهاد النفس بالتزكية ثم نزلت آيات الجهاد الأولى في سورة الحج لدرء الظلم وإحقاق الحق، وحرية التعبد – كما سبق – ونزلت في شأن الجهاد بصورة عامة والقتال بصورة خاصة آيات كثيرة ظن بعض الناس أن آية السيف نسخت 140 أية من آيات السلم والعفو، والحرية غير أن جمهور العلماء من المحققين قد ردوا على أن هذه الدعوة غير مسلمة، وغير صحيحة، وذلك أن النسخ عند السلف هو غير النسخ عند الخلف، ولو سلم بأن النسخ بمعنى رفع حكم شرعي بحكم آخر موجود فإن الإجماع منعقد على أن ذلك لا يتم إلا بإدلة صريحة واضحة بحيث لا يمكن الجمع بين دليلين متعارضين إلا من خلال النسخ، بالإضافة الى أن جمعاً من المفسرين المحققين حملوا كلمة النسخ في القرآن على أنه نسخ لبعض الأحكام التي وردت في الشرائع السابقة كما عبر عن ذلك قوله تعالى في وصف المسلمين: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ? فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ ? أُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الأعراف 157 حيث بين الله تعالى بأن الإسلام يحل لهم الطيبات ولا يحرم عليهم إلا الخبائث، ويرفع عنهم وينسخ الأحكام المتشددة التي فرضت على بني إسرائيل بسبب ظلمهم وتعنتهم.

احترام العهود والمواثيق

ومهما يكن فإن القائلين بأن آية السيف نسخت تلك الآيات قد اختلفوا في تعيينها فمنهم من قال: هي قوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) سورة التوبة 5 ولكن هذه الآية نصّ في قتل المشركين وهو مصطلح خاص يذكر بجانب أهل الكتاب، والمسلمين، بل إن القرائن كلها تدل على أنهم المشركون الذين قاموا بإيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم وإخراجه، ومحاولة القضاء على الاسلام واجتثاثه، حيث أتت هذه الآية بعد قوله تعالى (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ?وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ. وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ? وَرَسُولُهُ ? فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ? وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ? وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى? مُدَّتِهِمْ ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) سورة البراءة الآية 1-4، إذن فهذه الآية في هؤلاء المشركين العرب الذين آذوا الرسول وصحبه، وأرادوا اجتثاث الإسلام، وتآمروا وقاتلوا بضراوة في عدة حروب، ثم تعاهدوا ولكن نقضوا عهودهم أكثر من مرة، فهؤلاء محاربون يحاربون الله ورسوله، ويهددون الدولة الإسلامية بالقضاء عليها، إذن فيجب على الدولة أن تحمي نفسها ومواطنيها عن بطش هؤلاء ومع ذلك استثنى الله منهم الذين حافظوا على عهودهم ولم ينقضوها فقال تعالى: (إلا الذين عاهدتم..) وهذا أكبر دليل على احترام العهود والمواثيق حتى مع المشركين الذين أخرجوا الرسول الكرام ما داموا يلتزمون بعهودهم.

آية السيف

دليل آخر وهو أن الآية السادسة التي جاءت بعد ما سموه آية السيف تدل على أن اي مشرك إذا استجار يجار ولا يقتل فقال تعالى (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى? يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ? ذَ?لِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ) سورة التوبة 6. يقول الامام الطبري في تفسيرها: « يقول تعالى ذكره لنبيه: وإن استأمنك يا محمد من المشركين – الذين أمرتك بقتالهم وقتلهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم – أحد يسمع كلام الله منك، وهو القرآن الذي أنزله الله عليهم (فأجره) يقول: فأمِّنه (حتى يسمع كلام الله) وتتلوه عليه (ثم أبلغ مأمنه) يقول: ثمّ ردّه بعد سماعه كلام الله إن هو أبى أن يُسلم، ولم يتعظ لما تلوته عليه من كلام الله فيؤمن، الى مأمنه.. حتى يلحق بداره وقومه من المشركين..» تفسير الطبري (14/138-139).

والغريب أن ما سمي: آية السيف هذا ادعى بعض العلماء أنها منسوخة بآية (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) سورة محمد الآية 4 والصواب أن كلتي الآيتين محكمتان، وأن كل واحدة محمولة على حالة فلا تعارض بينهما اساساً حتى يدعى النسخ.

وادعى بعضهم أن آية السيف هي قوله تعالى (.. وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) سورة التوبة الآية 36.

وهذه الآية ايضاً في قتال المشركين الذين هم الوثنيون الذين قاتلوا الرسول صلى الله عليه وسلم في الجزيرة العربية، كما أن الآية فسّرها الجزء الثاني منها وهو (كما يقاتلونكم كافة) الذي يدل على أن هذا القتال للدفاع، فنحن نقاتلهم لأنهم قاتلونا كافة، وبالتالي فالآية في باب الدفاع عن النفس، كما أن حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس (رضي الله عنهما) فسّر الآية بأن يتحد المسلمون مجتمعين مؤتلفين غير متفرقين، لأن هؤلاء المشركين يقاتلونهم مجتمعين (الطبري (14/242) – كما في غزوة الآحزاب.

وفي ضوء ذلك يكون لفظ «كافة» حالاً عن المشركين فليس المقصود أن يُقتلوا كافة وجميعاً، ( وهكذا الأمر في آيات أخرى).

وقصدنا من هذا العرض السريع أنه لا يوجد نص صحيح صريح في القرآن الكريم والسنة المطهرة يخصص آية بأنها: آية السيف وأنها تنسخ آيات أخرى وردت في مجال حرية الدين وعدم الإكراه فيه مثل قوله تعالى (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) سورة البقرة الآية 256، وأن الصلح والسلام العادل هو الأساس في العلاقات الاسلامية مع الآخرين، ويراجع في ذلك كتاب فضيلة العلامة الشيخ يوسف القرضاوي في الجهاد وكتاب الدكتور مصطفى زيد: النسخ في القرآن، وكتاب د. مصطفى الزلمي حول النسخ في القرآن، وكتاب ا.د. علي القره داغي: «نحن والآخر» دراسة تأصيلية في العلاقة بين المسلمين وغيرهم. وغيرهم.

وأما حديث «بعثت بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له…» فهو حديث ضعيف عند أهل التحقيق، ولذلك لم يخرج البخاري مسنداً، ولا مسلم في صحيحهما وإنما رواه احمد في مسنده (الحديث رقم 5114، 5115، 5667) حيث قال الهيثمي في مجمع الزوائد (6/49) في أحد رواته (عبدالرحمن بن ثابت)، «وثقه ابن المدني وغيره، وضعفه أحمد وغيره» حيث نقل الحافظ المزي في تهذيب الكمال (3775) عن أحمد قوله: «في احاديثه مناكير» ولذلك قال الحافظ ابن حجر في الفتح (6/72) «مختلف في توثيقه» ولكن الشيخ احمد شاكر قال: اسناده صحيح، كما حسنه الألباني في الأرواء الحديث 1269 حيث قال: « ففيه – أي في ابن ثوبان – خلاف. وقال الحافظ في التقريب: « صدوق يُخطئ وتغير بآخره» يقول الشيخ القرضاوي (فقه الجهاد 1/325): «واذا غضضنا الطرف عن سند الحديث، وما فيه من الكلام، ونظرنا الى متنه ومضمونه وجدناه كذلك منكراً، لا يتفق مع ما قرّره القرآن بخصوص ما بعث به محمد (صلى اله عليه وسلم) فالقرآن لم يقرر في آية واحدة من آياته أن محمداً رسول الله بعثه الله بالسيف، بل قرّر في آيات شتى أن الله بعثه بالهدى ودين الحق، والرحمة والشفاء والموعظة للناس» فقوله تعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) حصر كلي في أن الله تعالى أرسله رحمة للعالمين ولم يقل «للمؤمنين» بل «للعالمين» أجمعين، ومئات الآيات تؤكد هذا المعنى كما أمره الله تعالى أن يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن.

فالحق آن آيات القتال والشدة والغلظة تحمل على ميزان الحرب، في حين أن آيات الحرية، والصفح والعفو والرحمة تحمل على الميزان العام والأصل، لأن هذه الأمة هي المكلفة بالدعوة الى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، فهي أمة أخرجت لدعوة الناس وهدايتهم ودعوتهم.

سيرة الرسول

ومن جانب آخر فإن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في غزواته واضحة بأنها كانت جميعاً رداً أو دفاعاً عن الدين والنفس والوطن الاسلامي يقول شيخ الاسلام ابن تيمية في رسالته في قتال الكفار ص134-138: «وكانت سيرته: أن كل من هادنه من الكفار لا يقاتله، وهذه كتب السيرة والحديث والتفسير والفقه والمغازي تنطق بهذا، وهذا متواتر من سيرته، فهو لم يبدأ أحداً من الكفار بقتال، ولو كان الله أمره بقتل كل كافرٍ لكان يبتدئهم بالقتال» ثم قال: «وأما النصارى فلم يقاتل أحداً منهم الى هذه الغاية حتى أرسل رسله بعد صلح الحديبية الى جميع الملوك يدعوهم الى الاسلام…. فدخل في الاسلام من النصارى وغيرهم من دخل فعمد النصارى بالشام فقتلوا بعض من اسلم من كبرائهم بمعان (منهم فروة بن عمرو والجذامي والي معان حيث اسلم فقتله الروم بعد حبسه. (الإصابة 5/386) فالنصارى حاربوا المسلمين أولاً وقتلوا من اسلم منهم بغياً وعدواناً. فلما بدأ النصارى بقتل المسلمين: أرسل سرية امّر عليها زيد بن حارثة، ثم جعفراً ثم ابن رواحه، وهو أول قتال قاتله المسلمون للنصارى بـ «مؤتة»، وهذه المعاني أكدها كذلك الإمام إبن القيم في كتابه «هداية الحيارى» (1/12) وفي غيره.

وكذلك لم يبدأ القتال لليهود إلا بعد نقضهم للعهود وتآمرهم مع الأحزاب لاجتثاث الإسلام وأهله من المدينة – كما هو معروف في كتب التأريخ، بل النصوص القرآنية تدل على ذلك.

ولأجل أولوية الصلح والسلام كان الرسول صلى الله عليه وسلم قبل بصلح حديبية على الرغم مما فيه من التنازل حسب ظاهر البنود – يراجع كتاب نحن والآخر للدكتور علي القره داغي.

وقد ردّ العلامة الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود يرحمه الله رئيس المحاكم الشرعية بدولة قطر في رسالته الجهاد المشروع في الإسلام، ضمن مجموعة رسائله (2/486-496) على الشيخ صالح اللحيدان أحد علماء السعودية الذي قال « بأن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا مبتدئين بالقتال طالبين للعدو» فرد عليه بقوله «إن هذه الغلطة الكبيرة إنما نشأت عن نقص علم وقصور فهم.. دون رجوع منه الى صحيح المنقول، ودون فقه منه في سبب غزوات الرسول…» ثم سرد الأدلة من الكتاب والسنة والسيرة، وأوضح بالحجج الباهرات أن جميع غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم كانت دفاعاً عن أذى المعتدين، وعن الدين «وأن الاسلام يسالم من سالمه، ولا يقاتل إلا من قاتله، أو يمنع نشر دعوته، أو يلقى الفتنة بين أهله، وليس هذا بالظن لكنه اليقين الذي تدل عليه نصوص القران المبين، وسيرة محمد (عليه أفضل الصلاة والتسليم) وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في السياسة الشرعية»:إن من لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله لم تكن مضرة كفره إلا على نفسه، أي لا يقاتل».

وكذلك فعل الشيخ محمد الغزالي في كتابه « جهاد الدعوة بين عجز الداخل وكيد الخارج» حيث رد به على حزب التحرير وشيخه النبهاني.