الشرق- الدوحة

الحلقة : الثالثة عشرة

قد بيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم علاقة المعاصي بزوال النعم، ونزول المصائب فقال:” يا معشر المهاجرين خصال خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن، لم تظهر الفاحشة في قوم قط، حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون، والأوجاع التي مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أُخِذوا بالسنين وشدة المُؤْنة، وجَوْر السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمْطَروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوهم من غيرهم فأخذوا بعض ما كان في أيديهم، وما لم تحكم أئمّتهم بكتاب الله عز وجل فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم “.

وقد بيَّن الله تعالى مجموعة من الأسباب لنزول العذاب والهلاك مثل الظلم، والطغيان، والكفر، والجهر بالمعاصي، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعتو، والكبر والغرور، وقسوة القلب، والغلو في الدين، وكفران النعم، والتنافس في الدنيا والشح فيها.

أعظمها الظلم والطغيان

إن القرآن الكريم جعل الظلم والطغيان من أهم أسباب الهلاك حتى حصرها فيه، فقال تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ )، فهذه الآية واضحة بأن الهلاك لا يكون إلا من نصيب الظالمين، وقال تعالى مبيناً أن هذه من سنن الله تعالى المتكررة (وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا )، وروى البخاري وغيره بسندهم عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، قال: ثم قرأ (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) وقال سبحانه (فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ )، بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول:” ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة: من البغي وقطيعة الرحم “.

المجاهرة بالمعاصي دون رادع

وكذلك كثرة المعاصي والمجاهرة بها دون قيام أصحاب السلطة والعلماء والعامة بواجب التغيير كل حسب قدرته، فأصحاب السلطة يكون تغييرهم من خلال العقوبات الرادعة، ومنع المنكرات بالفعل، والعلماء من خلال الدعوة والتأصيل والتفعيل، وعامة الناس من خلال التفاعل مع العلماء والأمراء، وتربية الأهل والأولاد، ومنع انتشار المعاصي في المجتمع، فقال صلى الله عليه وسلم:” والذي نفسي بيده لتأمُرنّ بالمعروف ولتنهوُنّ عن المنكر أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم عذاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم “

قال القرطبي:” وهذه سنة الله في عباده إذا فشا المنكر ولم يغير عوقب الجميع ” ويدل عليه قوله تعالى (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً )، وقد روى البخاري ومسلم وغيرهما بسندهم عن زينب بنت جحش أنه دخل النبي صلى الله عليه وسلم عليها فزعاً يقول:” لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بإصبعيه الإبهام والتي تليها قالت زينب: فقلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث.

وقد يثور تساؤل حول شمول العذاب لمن لم يشارك في تلك المعاصي؟

فالجواب هو من ناحيتين:

الاولى: ان الله تعالى لا ينزل عذاباً عاماً إلا بعد أن قصَّر العامة والأكثرية في أداء الواجب، ومنع المعاصي، فقال صلى الله عليه وسلم:” إن الله لا يعذب العامة حتى تعمل الخاصة بعمل تقدر عليه العامة أن تغيره، ولا تغيره، فذاك حين يأذن الله تعالى في هلاك العامة والخاصة “.

والثانية: أن الذي لم يشارك في المعاصي وقام بواجبه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لو هلك بذلك العذاب فله أجره، وأنه يبعث على نيته ويُجزى على عمله ونيته.

ــ الغلو في الدين

ومن أهم أسباب الهلاك ونزول العذاب الغلو في الدين، فقد نهى الله تعالى في عدد من الآيات عن الغلو في الدين فقال تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ).

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:” يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين “، وروى البخاري ومسلم بسندهما عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” دعوني ما تركتكم إنما أهلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم “، قال الحافظ ابن حجر في بيان ذلك ” ما كان على وجه التعنت والتكلف “.

التعريف بالمصطلحات

المذهبية

نسبة إلى المذهب، وهو لغة بمعنى الطريقة، والمعتقد الذي يُذهب إليه، وأصله من ” ذهب ” بمعنى: مرَّ، ومضى، ومات، وزال، وفي القرآن الكريم (ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ) أي أزال نورهم.

والمذهب في الاصطلاح هو: آراء أحد العلماء سواء كان في العقيدة، أم في الفقه، أم غيرهما أو أنه: مجموعة من الآراء والنظريات العلمية، والفلسفية ارتبط بعضها ببعض ارتباطاً يجعلها وحدة متناسقة وجمعه مذاهب، فهناك المذاهب الفقهية، والمذاهب العقدية، وغيرها