أرسل إليّ عدد من الإخوة الخطباء في أوروبا الرسالة الآتية:

فقد سمحوا لنا منذ أسبوع فتح المساجد أبوابها لاستقبال المصلين بشروط وضوابط صحية، من أهمها: بُعد كل شخص عن الآخر مسافة لا تقل عن متر ونصف.

وبناء على ذلك فإن مساجدنا لن تستوعب الأعداد المطلوبة، وبخاصة للجمعة، والعيد إلا إذا قسمنا المصلين إلى عدة دفعات، وهذا يستدعي وجود خطيب لكل دفعة، وبما أن وجود خطيب تتوافر فيه الشروط، ولا تترتب على خطبته مشاكل ليس سهلاً، فالسؤال هنا:

هل يجوز أن يقوم خطيب واحد بإقامة صلاة الجمعة أكثر من مرة؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، وبعد:

أولاً: لا مانع شرعاً من تكرار الجمعة في المسجد الواحد ما دام المسجد لا يسع جميع المصلين؛ لتُتاح الفرصة للجميع.

ثانياً: وأما أن يقوم الخطيب الواحد بإلقاء الخطبة أكثر من مرة، ويصلي بهم الجمعة أيضاً، فهذا محل خلاف، وتفصيله:

  1. ذهب جماعة من الفقهاء، ومنهم الشافعية إلى جواز إعادة الجمعة مرة أخرى، وذلك في حالة ما إذا صلى شخص الجمعة، ثم ذهب إلى مكان آخر فوجد أهله يصلون الجمعة، فيجوز له أن يصلي معهم، وينوي الفرض، ولكن تقع منه نفلاً.

قال الشرواني في حاشيته على التحفة:" الظهر قد تكون معادة، أي وكذا الجمعة فيما لو صلاها بمكان، ثم أدرك جماعة أخرى يصلونها فصلاها معهم"[1].

  1. وذهب آخرون إلى أن إعادة الجمعة والجماعة غير مشروع لأي شخص صلى الجمعة، أو الصلاة جماعة، إلا إذا كانت الصلاة الأولى قد وقع فيها خلل[2].

والذي نرى رجحانه هو جواز إعادة صلاة الجمعة والجماعة في الحالات الآتية:

الحالة الأولى: أن يصلي الشخص منفرداً، ثم يجد جماعة، فيستحب له إعادة صلاته جماعة، حيث روى الترمذي وغيره بسندهم عن يزيد بن الأسود العامري، عن أبيه، قال:" شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّتَهُ فَصَلَّيْتُ مَعَهُ صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ قَالَ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وَانْحَرَفَ إِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ فِي أُخْرَى الْقَوْمِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ فَقَالَ عَلَيَّ بِهِمَا فَجِيءَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا فَقَالَ مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا فَقَالَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا قَالَ فَلَا تَفْعَلَا إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ"[3]، وقال الترمذي:" حسن صحيح، وهو قول غير واحد من أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق"[4]، وهو مروي عن ابن عمر، حيث روى مالك عن نافع:" أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، فَقَالَ : إِنِّي أُصَلِّي فِي بَيْتِي، ثُمَّ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ، أَفَأُصَلِّي مَعَهُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: نَعَمْ، فَصَلِّ مَعَهُ. فَقَالَ الرَّجُلُ: فَأَيَّتَهُمَا أَجْعَلُ صَلَاتِي؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: وَذَلِكَ إِلَيْكَ؟ إِنَّمَا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ – تَعَالَى – يَجْعَلُ أَيَّتَهُمَا شَاءَ[5].

وأما ما ورد في حديث آخر عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:" لَا تُصَلُّوا صَلَاةً فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ"[6]، فقد فسره العلماء بأن المراد به أنه: لا تجب الصلاة في اليوم مرتين، جمعاً بين الأدلة، ولأن راويه ابن عمر يرى استحباب إعادتها جماعة، كما سبق.

الحالة الثانية: أن يصلي في الطريق، أو البيت الصلاة جماعة ثم يدخل أحد المساجد الثلاثة (المسجد الحرام، والمسجد النبوي، المسجد الأقصى) فيجد الناس يصلونها، فيجوز له، بل تستحب له إعادته جماعة[7].

الحالة الثالثة: أن يصلي جماعة، ثم يجد جماعة أخرى أكبر، مثل: أن يصلي في البيت مع شخص أو شخصين، ثم يذهب إلى المسجد فيدرك الجماعة الأولى الكثيرة، فيجوز له، بل تستحب إعادتها، عند الشافعية، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم:" إِنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى"[8].

الحالة الرابعة: أن يصلي الشخص بالجماعة، ثم يقوم بإمامة قوم، فقد روى البخاري وغيره بسندهم، عن جابر بن عبد الله أن معاذ بن جبل رضي الله عنهم، كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ فَيُصَلِّي بِهِمْ الصَّلَاةَ فَقَرَأَ بِهِمْ الْبَقَرَةَ"[9]، حيث يدل الحديث على جواز إعادة الصلاة إماماً لمن صلّى جماعة ــ حتى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي مسجده الذي يتضاعف فيه الأجر بألف صلاة ـــ كما يدل بوضوح على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل وصحة ذلك.

فهذا الحديث يدل على أن شخصاً يصلي صلاة الفرض في المسجد جماعة، ثم يعيد صلاته إماماً، والظاهر أن الحديث مطلق في جواز ذلك دون أي قيد، وقد أقره الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنه طلب منه التخفيف في القراءة، حتى لا يُنفِّر الناس[10].

الحالة الخامسة: أن يصلي الإمام صلاة بمجموعة، ثم يصلي هو الصلاة نفسها بمجموعة أخرى ـــ وهذا هو محل السؤال الوارد ــــ لم أجد من الفقهاء من تطرق إلى هذه المسألة، ولكن اطلعت على الحديث الصحيح الثابت في صلاة الخوف، حيث إن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل الناس مجموعتين، فصلّى بالمجموعة الأولى منهم ركعتين، وسلّم، ثم صلّى بالمجموعة الثانية ركعتين، وسلّم، حيث روى الشافعي، والنسائي، وابن خزيمة بسندهم عن الحسن، عن جابر رضي الله عنه:" أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى بِآخَرِينَ أَيْضًا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ"[11]، وروى البخاري، وأحمد، والنسائي، وأبو داود، والحاكم، والدارقطني، عن الحسن بن أبي بكرة رضي الله عنه، مثل الرواية السابقة من أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلّى بطائفة ركعتين، ثم سلّم، فتأخروا، ثم صلى بالطائفة الثانية ركعتين، ثم سلّم، فَصَارَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعُ رَكَعَاتِ وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ"[12].

فهذا الحديث واضح في الدلالة على أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلّى بالطائفة الأولى ركعتين، وهو مفترض، وأمّ الطائفة الثانية، وهو متنفل، قال النووي: وبهذا قال الشافعي، وحكوه عن الحسن البصري، وكذلك ثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع طاف للإفاضة قبل الزوال، ثم صلّى الظهر بمكة في أول وقتها، ثم رجع إلى منى فصلّى بها الظهر مرة أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك[13]، قال النووي:" فيكون متنفلاً بالظهر الثانية التي بمنى"[14].

وبناء على هذين الحديثين الصحيحين فإنه يجوز لإمام الجمعة أو العيد أن يعيد الخطبة والصلاة إماماً مرتين، وهذا في حدود النصين السابقين.

وأما أكثر من ذلك، أي ثلاث مرات وأكثر، فلا أرى مانعاً من ذلك ما دام يوجد سبب مقبول، مثل: عدم توافر خطيب تتوافر فيه الشروط المطلوبة فقهاً وقانوناً، فالحديثان السابقان يدلان على أن في أمر الإعادة سعة، كما أن العدد لا مفهوم له.

هذا والله أعلم

 


[1] – حاشية الشرواني على التحفة (      )

[2] – يراجع في تفصيل هذه المسألة: حاشية ابن عابدين (1 / 487) ط. بولاق، وبدائع الصنائع (1 / 149) والاختيار لتعليل المختار (1 / 66، 135) ط. دار المعرفة، بيروت، ومواهب الجليل (2 / 82) ط. دار الفكر، والمجموع للنووي (1 / 333) والمغني (1 / 143،111) والموسوعة الفقهية الكويتية مصلح "إعادة".

[3] – رواه الترمذي برقم (219) والنسائي برقم (858) وأبو داود برقم (575) وأحمد في المسند برقم (17020)

[4] – سنن الترمذي، الحديث رقم (219).

[5] – السنن الكبرى، باب من قال: ذلك إلى الله – عز وجل – يحتسب له بأيتهما شاء عن فرضه (2 / 302)

[6] – رواه أبو داود برقم (579) وأحمد في المسند برقم (4675)

[7] – المصادر الفقهية السابقة.

[8] – رواه أبو داود برقم (554)

[9] – رواه البخاري برقم (5755،679) وأبو داود برقم (599) وأحمد في المسند برقم (13829)

[10] – تمام الحديث في رواية البخاري برقم (5755):" قَالَ فَتَجَوَّزَ رَجُلٌ فَصَلَّى صَلَاةً خَفِيفَةً فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاذًا فَقَالَ إِنَّهُ مُنَافِقٌ فَبَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا قَوْمٌ نَعْمَلُ بِأَيْدِينَا وَنَسْقِي بِنَوَاضِحِنَا وَإِنَّ مُعَاذًا صَلَّى بِنَا الْبَارِحَةَ فَقَرَأَ الْبَقَرَةَ فَتَجَوَّزْتُ فَزَعَمَ أَنِّي مُنَافِقٌ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ ثَلَاثًا اقْرَأْ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَنَحْوَهَا".

[11] – رواه الشافعي في كتاب المغازي برقم (4125) والنسائي برقم (1552) وابن خزيمة (1368)

[12] – رواه البخاري برقم (4125) وأحمد في المسند (19984) والحاكم في المستدرك برقم (2871) والدارقطني برقم (1757) والنسائي في السنن الكبرى (3 / 260) وأبو داود (1248)

[13] – شرح النووي على صحيح مسلم (8 / 329) شرح الحديث رقم (1218) وعون المعبود شرح سنن أبي داود (5 / 281) شرح الحديث رقم (1905)

[14] – المرجع السابق.