إن الذي عليه المحققون من السلف والخلف هو أن من الجهد، وهو بذل الوُسع والطاقة، الجهاد لغة وفي الشرع: هو بذل ما في الوسع لخدمة الإسلام، ونشره فقال تعالى: (وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا)، أي جاهد بالقرآن بنشره والدعوة إليه، وبالتالي فإن معناه واسع يشمل جهاد الدعوة، وجهاد النفس، والشيطان، كما يشمل الجهاد الاقتصادي، والإعلامي، والاجتماعي، والعلمي، وكذلك يشمل القتال في سبيل الله، ولكنه بهذا المعنى إنما يستعمل لحالة الدفاع عن الدين، وعن الوطن

والأمة، ولدرء الفتن والشر عنهم، وأنه لا يوجه للكافر لمجرد كونه كافراً وإنما إذا كان معتدياً.

والصحيح هو أن مجرد الكفر أو الشرك ليس موجباً للقتال والجهاد، وإنما الظلم والعدوان، أو الخوف من الفتنة والاعتداء، ولذلك نرى أن جميع الآيات القرآنية تقيد الجهاد القتالي بما ذكر، وليس بالكفر فقط – كما سبق.

ثم إن إعلان الجهاد القتالي – من حيث المبدأ

حتى ولو توافرت شروطه وضوابطه فليس منوطاً بالفرد أو الجماعة الواحدة، وإنما هو شأن الأمة وسلطانها وأنه لا يجوز الافتئات عليها إلا في حالة الدفاع عن النفس، وطرد المحتلين.

وللجهاد القتالي في الإسلام آدابه وقيمه الأخلاقية العظيمة التي تمنع منعاً باتاً من قتل النساء والأطفال، والمدنيين، ومن استعمال أسلحة الدمار الشامل.

والجهاد – بمعنى القتال – ليس غاية في ذاته، وإنما هو وسيلة، وقد قرّر الفقهاء ان ذلك منوط بتحقيق المصلحة كما قال ابن القيم وغيره.

ولذلك إذا لم يحقق الجهاد غرضه وهدفه في إعزاز الدين ونشره، فإن الغاية مقدمة على الوسيلة بالإجماع.

فلم يشرع الإسلام القتال من أجل القتال، وإنما لتحقيق الأهداف والغايات التي ذكرناها، وأن القوة فيه وسيلة للردع من خلال تحقيق القوة الكافية التي تمنع المعتدين من الاعتداء كما قال الله تعالى (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ اْلخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إَِليْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ)، ثم بين الغاية وهي ردع المعتدين وتخويفهم من هذه القوة حتى لا يحدث الاعتداء والقتال.

ومن جانب آخر، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقتل بعض كبار المنافقين الذين ساهموا في إشاعة الإفك والفساد خشية ما يسمى في عصرنا الحاضر: بالحملة الإعلامية، يقول ابن القيم: (وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكف عن قتل المنافقين لئلا يكون ذريعة إلى تنفير الناس عنه، وقولهم: إن محمداً يقتل أصحابه، فإن هذا القول يوجب النفور عن الإسلام ممن دخل فيه ومن لم يدخل فيه، ومفسدة التنفير أكبر من مفسدة ترك قتلهم، ومصلحة التأليف أعظم من مصلحة القتل).فهذه الكلمة الرائعة في خطورة التنفير تلزم المسلمين جميعاً – وبخاصة الشباب – النظر إلى مآلات أفعالهم، وما جرت عليهم من حملات التشهير والتخويف، والتشويه.