ونحن هنا نحاول تأصيل هذه الأمور الثلاثة : غرامة التأخير ، والشرط الجزائي ، والتعويض عن الضرر .

 

أولاً : غرامة التأخير :

تمهيد :

وقبل أن أخوض في غمار غرامة التأخير وتأصيلها نوضح موقف البنوك الإسلامية في التعامل مع غرامات التأخير .

وقد قام أحد البنوك الإسلامية التي كنت العضو التنفيذي لهيئته الشرعية بعمل استبيان وجرد لمواقف البنوك الإسلامية حول موضوع غرامات التأخير ، فأرسل إلى أربعين بنكاً إسلامياً فكانت النتيجة أن البنوك الإٍسلامية ومن ورائها هيئاتها الشرعية أما هذا الإجراء على قسمين ، قسم لا يقبل بفرض هذه الغرامات ، وقسم آخر غير قليل يقبل بل يفرض هذه الغرامات ، وقد بلغ عدد البنوك الإٍسلامية التي تستعملها 12 بنكاً من بين 27 بنكاً [1]. هذا في عام 1999م أما الآن فعدد البنوك الإسلامية التي تستعمل غرامات التأخير تزيد بكثير ، يكفي أن المصرفين الإسلاميين في قطر اللذين لم يكونا يستعملانها عام 1999 أصبحا اليوم يستعملانها بناء على فتوى هيئتها الشرعية .

والبنوك الإٍسلامية في فرضها غرامات التأخير ليست على سنن واحد ، فتسعة بنوك إسلامية من ضمن (12) بنكاً تنص في عقودها على غرامات التأخير في حين أن ثلاثة منها لا تنص في عقودها ، وإنما في ملاحق مستقلة ، وأن خمسة منها تفرض نفس أسلوب احتساب الربح الأصلي ، وسبعة منها تستعمل أساليب أخرى .

ثم إن معظم هذه البنوك التي تستعمل الاساليب لا تضيف هذه الأموال المأخوذة إلى أرباحها بل تصرفها في وجوه الخير ، حيث وصل عددها إلى ثمانية بنوك من بين (12) بنكاً ، بينما تضيف الأربعة الأخرى هذه الأموال المأخوذة بسبب التأخير إلى أرباحها .

وقد رأينا البحث السابق قد توصل إلى نتيجة مهمة جداً وهي أن فرض غرامة التأخير لم يقض على المشكلة بل زاد حرجاً للبنوك الإسلامية وكلاماً وقيل وقال وأنه يجب البحث عن آلية معينة لتقليل ظاهرة المتأخرات ، أو القضاء عليها .

كما توصل البحث إلى أن اختلاف هيئات الرقابة الشرعية في حكم غرامة التأخير أحدث نوعاً من البلبلة.

 

التأصيل الفقهي لغرامة التأخير على الديون المتأخرة :

الغرامة لغة من غرِم ـ بكسر الراء ـ غرماً وغرامة أي لزمه ما لا يجب عليه ، ويقال : أغرمه أي جعله غارماً ، وأُغرم بالشيء أي أولع به ، وغرّمه أي ألزمه تأدية الغرامة ، والغرامة : الخسارة ، وفي المال : ما يلزم أداؤه تأديباً أو تعويضاً ، يقال : حكم القاضي على فلان بالغرامة (محدثة) [2].

والغـرامة في الشـريعة والقانـون عقوبة جنائية تفرضها الدولة أو المحاكم لصـــالح الخزانة العامة.

ففي القانون تعتبر الغرامة عقوبة جنائية دون شك ولا خلاف في صفتها الجنائية في مرحلتي التهديد بها وتوقيعها ، ولكن معظم القانونيين في فرنسا ذهبوا إلى تكييف الغرامة بعد الحكم بها حكماً نهائياً على أساس الدين المدني للدولة أو الدين العام لصالح الدولة في مواجهة المحكوم عليه كدين الضريبة ، وذلك حتى تتمكن الدولة من تحصيلها من الورثة بعد وفاة المحكوم عليه في حدود تركته ،ولكن هذا الاتجاه لم يقبل به الآخرون ، وذلك لأن الغرامة عقوبة جنائية خالصة تستهدف أغراضاً معينة كالزجر والتخويف لا يتحقق إلاّ بتوقيعها على من ارتكب الفعل المعاقب عليه ، كما أنه لا توجد مصلحة للمجتمع في توقيع العقوبة على أفراد أبرياء لا علاقة لهم بالجريمة وهم ورثة المحكوم عليه ، فالغرامة باعتبارها عقوبة تتحقق بحرمان المحكوم عليه من جزء من ذمته المالية ، وإحداث ألم له بهذا الحرمان ، وأما إثراء الخزينة العامة فهو نتيجة تبعية ليست مقصودة لذاتها ، فلا يجوز جعلها الأصل ومن هنا فالغرامة عقوبة جنائية في جميع مراحلها ، وجزاء جنائي تتوافر فيها جميع أركان العقوبة ، وعناصر الجزاء الجنائي ، فهي جزاء توقعه الدولة بمالها من سلطة العقاب على الأفراد دون غيرها ، وأن الدولة وحدها هي التي تتولى إقامة الدعوى بتطبيق الغرامة ـ ما عدا بعض استثناءات ـ وأن حصيلة الغرامات تذهب إلى خزينة الدولة ، ولا تكون من نصيب الطرف المضرور ، وهذا ما نصت عليه معظم القوانين في العالم ، وأن الغرامة جزاء لفعل غير مشروع جنائياً وبالتالي تخضع لمبدأ : لا عقوبة إلاّ بناءً على نص ، وأنه لا يجوز استخدام القياس فيها ، ولا تطبيقها بأثر رجعي ، كما أن الغرامة تهدف إلى تحقيق أغراض عقابية ، ولا تهدف إلى تعويض الطرف المضرور[3] ، ويقول الدكتور سعيد الجنزوري : ( والواقع أن إثبات أن الغرامة هي عقوبة جنائية أمر لا يحتاج إلى دليل أو مناقشة… )[4] .

وأما الغرامة فقد استعملها البعض بمعنى الضمان الذي يترتب على التزام دين ، أو إحضار عين ، أو بدن ، باعتبار المال حيث أن الضامن الكفيل يتحمل آثار التزامه بناء على الحديث الوارد القائل :              ( الزعيم ـ أي الكفيل ـ غارم )[5] وقد استعملت الغرامة عندهم أيضاً فيما يترتب على التعدي أو التقصير من تعويضات للشخص المضرور [6].

 

عدم الخلط بين الغرامة والتعويض :

والتحقيق أي الغرامة كمصطلح معروف الآن بين القانونيين هي ما تفرضه الدولة بسبب وقوع مخالفة قانونية تستوجب فرض عقوبة مالية ـ كما سبق ـ .

وحينئذ يجب أن تميز عن التعويض المالي والمدني الذي يستفيد منه المضرور تعويضاً عمّا أصابه من ضرر ، وهذا ما أكده الفقيه القانوني الشهيد عبدالقادر عوده رحمه الله حيث قال : ( من المسلم به أن الشريعة عاقبت على بعض الجرائم التعزيرية بعقوبة الغرامة ، من ذلك أنها تعاقب على سرقة التمر المعلق بغرامة تساوي ثمن ما سرق مرتين فوق العقوبة التي تلائم السرقة ) [7].

وقد ورد في ذلك بعض الأحاديث الثابتة منها حديث عبدالله بن عمرو بن العاص أنه صلى الله عليه وسلم في شأن التمر المعلق قال :(..فمن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة )[8] ، وحديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بخصوص الزكاة : (..من أعطاها مؤتجراً فله أجرها ، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله غرمة من غرمات ربنا تبارك وتعالى..)[9].

قال الشوكاني : ( وقد استدل به ـ أي الحديث ـ على أنه يجوز للإمام أن يعاقب بأخذ المال ، وإلى ذلك ذهب الشافعي في القديم …، ثم رجع عنه وقال : أنه منسوخ … وزعم الشافعي أن الناسخ حديث ناقة البراء ، لأنه صلى الله عليه وسلم حكم عليه بضمان ما أفسدت ، ولم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه أضعف الغرامة ، ولا يخفى أن تركه صلى الله عليه وسلم للمعاقبة بأخذ المال في هذه القضية لا يستلزم الترك مطلقاً ، ولا يصلح للتمسك به على عدم الجواز وجعله ناسخاً البينة….

وقد ذهب إلى جواز المعاقبة بالمال الإمام يحيى من الهادوية ، وقال في الغيث : ( لا أعلم في جواز ذلك خلافاً بين أهل البيت ) وقد ذكر الشوكاني مجموعة كبيرة من الأحاديث الدالة على ذلك مع المناقشـة [10].

وبسبب ذلك اختلف الفقهاء فذهب جمهورهم إلى منع الغرامة المالية ، وذهب بعضـهم إلى جواز ذلك [11].

يقول الأستاذ عودة : ( ولكن الفقهاء اختلفوا في جعل الغرامة عقوبة عامة يمكن الحكم بها في كل جريمة … والذين يعترضون على الغرامة المالية يحتجون بأنها كانت مقررة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ونسخت …. ؛ وأنه يخشى أن يكون في إباحة الغرامة المالية ما يغري الحكام الظلمة بمصادرة أموال الناس بالباطل …..) [12].

ثم قال : ( وفي عصرنا الحاضر حيث نظمت شؤون الدولة ، وروقبت أموالها ، وحيث تقرر الهيئة التشريعية الحد الأدنى والحد الأعلى للغرامة ، وحيث ترك توقيع العقوبات للمحاكم …لم يعد هناك محل للخوف من مصادرة أموال الناس بالباطل ، وبذلك يسقط أحد الاعتراضات التي اعترض بها على الغرامة)[13].

ومن المعلوم أن مَنْ قال بالغرامة المالية يعتبرها عقوبة جنائية (تعزيرية) تأخذها الدولة ، ويؤول إلى خزائنها وبيت مالها ، وليست للتعويض عما أصاب المضرور .

خطأ استعمال لفظ الغرامة في موضوعنا هذا :

وبما ذكرناه أن اطلاق لفظ الغرامة على ما يريد البنك الإسلامي أخذه لصالحه غير دقيق ن بل غير صحيح ، فالغرامة عقوبة جنائية تصرف للدولة فقط ، في حين أن ما يريد البنك الإسلامي أخذه هو بمثابة تعويض عما فاته من أرباح متوقعة أو مظنون بها .

ولذلك لا ينبغي استعمال هذه الكلمة في هذا المجال وإنما الذي ينبغي بحثه في هذا المجال هو التعويض المالي عما أصاب البنك من ضرر (إن صح هذا) ، وموضوع الشرط الجزائي ومدى مشروعيته في هذا المجال .وهذان الموضوعان اللذان نبحثهما الآن ومدى علاقتهما بالموضوع .

 

ثانياً : الشرط الجزائي :

الشرط ـ بسكون الراء ـ لغة : ما يوضع ليلتزم في بيع ، أو نحوه ، ـ وبفتح الراء ـ العلامة ، وجمعه أشراط ، ومنه الشرطة [14]، قال الفيروزآبادي هو : الزام الشيء والتزامه في البيع ونحوه كالشريطة ) ، وجمع الشرط الشروط ، وجمع الشريطة : الشرائط [15].

والشرط يستعمل في الفقه الإسلامي[16] بمعنيين :

المعنى الأول : هو ما أوجبه الشرع لصحة ، أو لزومه مثل شرط صحة العبادات ، أو العقود ، وشروط لزوم العقد ، وهذا ما يعبر عنه الفقهاء بما يلزم من عدمه عدم المشروط ، ولا يلزم من وجوده وجود المشروط أو عدمه ،وليس هذا محل بحثنا .

المعنى الثاني : ما ألزمه العاقدان على نفسيهما في العقد ،وبعبارة دقيقة هو إحداث التزام في العقد لم يكن يدل عليه لولاه ، أو كما قال العلامة الحموي : ( الشرط هو التزام أمر لم يوجد في أمر قد وجد بصيغة مخصوصة )[17] والمقصود بالشروط هنا هي الشروط المقترنة بالعقد إما كبند من بنوده ، أو كملحق من ملحقاته المرتبطة بالعقد .

والمراد بـ (الجزائي) هو في اللغة نسبة إلى الجزاء وهو المكافأة على الشيء ، والجزية بالكسر : ما يؤخذ من الذمي ، وخراج الأرض [18].

والشرط الجزائي[19] عرفه القانون المدني الفرنسي بتعريفين ، أولهما في مادته 1226 بأنه : ” هو الذي بموجبه ولضمان اتفاق ما يتعهد الشخص بشيء ما في حالة عدم التنفيذ ” ، وأما التعريف الثاني ففي المادة 1229 حيث نصت على أن : ” الشرط الجزائي هو التعويض عن الأضرار التي يتحملها الدائن بسبب عدم تنفيذ الالتزام الأصلي ” .

وقد انتقد هذان التعريفان انتقادات شديدة [20]، ولذلك عرفه الدكتور البدراوي بأنه : ” اتفاق سابق على تقدير التعويض الذي يستحقه الدائن في حالة عدم التنفيذ ، أو التأخير فيه ” [21] وبذلك يدخل فيه اشتراط حلول جميع الأقساط إذا تأخر المدين في دفع قسط منها ، لأنه تعويض وإن كان غير مالي في الظاهر .

وهناك مصطلحات أخرى استعملت بدلاً من الشرط الجزائي مثل الجزاء الاتفاقي ، والجزاء التعاقدي ، والتعويض الاتفاقي ، وتعويض النكوص ، والبند الجزائي [22]، وفي نظرنا أن مصطلح “الشرط الجزائي” أدق المصطلحات لأن لفظ ” الشرط ” يشير إلى أن هذا الجزاء ، أو التعويض جاء بسبب شرط وضع ضمن شروط العقد ، أو في اتفاق لاحق بهذا العقد ، و” الجزائي ” يشير إلى أن ذلك التعويض جاء جزاءً لمخالفة ذلك الشرط .

 

التكييف القانوني للشرط الجزائي :

حتى تتضح الصــــورة نذكر التكـييف القانـوني للشـــرط الجزائـي ثم التكــييف الفقهـي.

فقد أثيرت حول الشرط الجزائي عدة نظريات ، منها نظرية العقوبة الخاصة التي تعود جذورها إلى القانون الروماني الذي كان يجير الشرط الجزائي كعقوبة حيث كان يفرض على المدين في حالة عدم التنفيذ الجزئي دفع الجزاء بالكامل [23].

ولكن هذه النظرية قد نالها قسط كبير من الانتقادات ، وذلك ، لأن الشرط الجزائي مبني على حرية الإرادة ، ولا يمكن أن يضفى على هذه الحرية الإرادية صفة العقوبة ، ولذلك رأى البعض أن هذا الاضفاء العقابي تشويه للطبيعة الحقيقية للشرط الجزائي ، ومن هنا فقد هبت على هذه النظرية رياح النقد الشديدة فاقتلعتها من جذورها [24].

وهناك نظرية التعويض الاحتمالي التي أخذ بها القضاء الفرنسي القديم ، وهي تعني أن الشرط الجزائي ليس إلاّ التقدير المسبق للتعويض المحتمل نتيجة عدم تنفيذ العقد أو التأخير فيه ، ولذلك يحق للقاضي أن يعدل المبلغ المحدد مسبقاً تبعاً للضرر الحقيقي ، وقد انتقدت هذه النظرية أيضاً انتقاداً شديداً بسبب أنها تـلغى الحكمة التي من أجلهـا وضع الشـرط الجزائي في العقد ، وتهـدم احترام الإرادة التعاقـديـة .

وتذهب نظرية أخرى إلى أن الشرط الجزائي اتفاق وبالتالي فلا يجوز السماح للقضاء بزيادته ، أو تخصيصه [25].

وإضافة إلى ذلك فإن الالتزام بالشرط الجزائي تابع للالتزام الأصلي بحيث إذا سقط الأصل أو بطل سقط التابع وبطل دون العكس ، وأن الشرط الجزائي لا يعتبر التزاماً تخييرياً ولا التزاماً بدلياً لأن الدائن لا يستطيع إلاّ أن يطلب تنفيذ الالتزام الأصلي ما دام ذلك ممكناً [26].

والقوانين المدنية الغربية والعربية قد نظمت الشرط الجزائي في باب المقاولة ، فقد نصّت المادة 223 م م إلى أنه : ( يجوز للمتعاقدين أن يحددا مقدماً قيمة التعويض بالنص عليها في العقد ، أو في اتفاق لاحق ، ويراعى في هذه الحالة أحكام المواد من 215 إلى 220 ، ومثل ذلك ما ورد في القانون المدني العراقي م170 والسوري م424 والليبي م226 واللبناني م226 [27].

فشروط استحقاق الشرط الجزائي هي نفس شروط استحقاق التعويض من وجود خطأ من المدين ، وضرر يصيب الدائن ، وعلاقة سببية ما بين الخطأ والضرر ، واعذار المدين أي إنذاره ومطالبته      بالتنفيذ [28].

ويترتب على الشرط الجزائي أنه يجب على المدين الوفاء بما تم الاتفاق عليه في العقد ، وإذا لم يحقق ذلك فإن مضمون الشرط الجزائي يكون واجب التنفيذ بشروطه ، وأن القاضي يحكم به دون تخفيض ولا زيادة اعمالاً لإرادة العاقدين من حيث المبدأ ، ولكن نصّت المادة 224 على أمرين مهمين جعلتها النصوص التي لا يجوز مخالفتها حيث نصّت على ما يأتي :

((

  1. لا يكون التعويض الاتفاقي مستحقاً إذا أثبت المدين أن الدائن لم يلحقه أي ضرر .

  2. يجوز للقاضي أن يخفض هذا التعويض إذا أثبت المدين أن التقدير كان مبالغاً فيه إلى درجة كبيرة ، أو أن الالتزام الأصلي قد نفذ جزء منه .

  3. ويقع باطلاً كل اتفاق يخالف أحكام الفقرتين السابقتين.)) .

وتنص المادة 225 على ما يأتي : ( إذا جاوز الضرر قيمة التعويض الاتفاقي ، فلا يجوز للدائن أن يطالب بأكثر من هذه القيمة إلاّ ثبت أن المدين قد ارتكب غشاً ، أو خطأ جسيما )[29] .

 

التكييف الفقهي ( أو الشرعي ) للشرط الجزائي :

من المعلوم أن جمهور الفقهاء على أن الأصل في الشروط هو الإباحة ، وبالتالي فكل شرط لم يخالف نصاً من كتاب الله وسنة رسوله ، أو الإجماع فهو شرط مقبول عندهم [30].

ومن هنا فالشرط الجزائي مقبول من حيث المبدأ ، ولكن الشرط الجزائي نوعان : نوع على التأخير في العمل والتنفيذ ، ونوع آخر على الديون .

النوع الأول : الشرط الجزائي المتضمن تعويضاً محدداً على التأخير في تنفيذ الأعمال ، أو عدم تنفيذه مطلقاً ، وله صور من أهمها :

  1. الشرط الجزائي المقترن بعقد المقاولة ، أو الاستصناع المتضمن دفع مبلغ محدد عن كل يوم ، أو شهر من التأخير عن الموعد المحدد للتنفيذ والتسليم .

  2. الشرط الجزائي المقترن بعقد الإجارة على العمل سواء كان الأجير أجيراً خاصاً برب العمل ، أو مشتركاً ، وذلك بأن يشترط عليه مبلغاً محدداً إذا تأخر في تنفيذ العمل ، أو يخصم منه مبلغاً محدداً من الأجرة ، وهذا ما يطلق عليه في القانون عقود العمل .

وكذلك الحكم في الإجارة الأعيان مثل اشتراط خصم مبلغ معين إذا تأخر المؤجر في تسليم العين المؤجرة[31].

والشرط الجزائي في هذا المجال جائز يجب الوفاء به للأدلة الكثيرة الدالة على الوفاء بالعقود والعهود والشروط ، وقد صدر بذلك قرار من مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره السابع بجدة في 7ـ12/11/1412هـ الموافق 9ـ14 مايو 1992 حيث نص على أنه : ( يجوز في عقد الاستصناع أن يتضمن شرطاً جزائياً بمقتضى ما اتفق عليه العاقدان ما لم تكن هناك ظروف قاهرة . والله أعلم ) .

النوع الثاني : الشرط الجزائي على تأخير في سداد الديون ، ومن المعلوم أن معظم ذلك في المرابحات والبيع الآجل ، فما حكم الفقه الإسلامي في هذا لإجراء ؟ للإجابة عن ذلك نقول : أن المدين الذي يتأخر في السداد نوعان :

*الأول : المدين المعسر الذي لا يقدر على الوفاء بديونه فقد اتفق الفقهاء [32]على وجوب إنظاره لقواه تعالى : ( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة )[33] ، قال القاضي ابن العربي : ( إن لم يكن المديان غنياً فمطله عدل ، وينقلب الحال على الغريم فتكون مطالبته ظلماً )[34] .

وقد وضع مجمع الفقه الإسلامي معياراً للإعسار حيث نص على أن ضابط الإعسار الذي يوجب الإنظار هو أن لا يكون له مال زائد عن حوائجه الأصلية يفي بدينه نقداً أو عيناً [35].

*الثـانــي : المـديـن المـوسـر الممـاطـل ، وهـذا هـو الـذي ينـصـب البحـث عليـه .

ومن المتفق عليه بين الفقهاء ان مطل الغني ظلم وإثم وعدوان بل جعله الجمهور كبيرة من الكبائر ، وذلك لما ورد في ذلك الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( مطل الغني ظلم )[36] .

ولكن الذي يثور حول هذا الموضوع هو أن هل تترتب على هذا الظلم عقوبات دنيوية ؟ وما نوعية هذه العقوبات ؟ ومن الذي له الحق في فرض هذه العقوبات وتنفيذها ؟ هل الأفراد أم السلطة القضائية ؟

وقد أقر الفقهاء جواز فرض العقوبات التعزيرية من ضرب أو حبس ، أو نحو ذلك على مطل الغني بناء على الحديث السابق ،والحديث الذي رواه أحمد واصحاب السنن والحاكم وصححه وابن حبان والبيهقي بسندهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ليُّ الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته ) قال الحاكم صحيح الإسناد ووافقه الذهبي ، ورواه البخاري تعليقاً ، وقال الحافظ ابن حجر : إسناده حسن [37].

وإذا كان فرض عقوبات تعزيرية على مطل الغني جائزاً ، فإن الفقهاء حصروها في أن هذه السلطة التي تستطيع فرض العقوبات التعزيرية هي السلطة القضائية ، وليست من حق الأفراد ، والشركات ، قال المناوي في شرح هذا الحديث : ( يحل عرضه بأن يقول له الدائن : أنت ظالم ، أنت مماطل ونحوه مما ليس بقذف ولا فحش ، وعقوبته بأن يعزره القاضي على الأداء بنحو ضرب أو حبس حتى يؤدي )[38] .

وبعد هذا العرض السريع ننتقل إلى اختلاف الفقهاء المعاصرين في هذه المسألة حيث اختلفوا فيها على ثلاثة آراء :

الرأي الأول: عدم جواز فرض غرامة التأخير مطلقاً .

الرأي الثاني : جواز فرض غرامة التأخير على المدين الموسر المماطل ولكن لا يجوز للدائن أن يأخذها ، بل يجب عليه أن يصرفها على الفقراء ، والجهات الخيرية .

الرأي الثالث : جواز فرض غرامة التأخير وعدم وجود الحرج في أن يقوم الدائن بالاستفادة منه ، وبعض هؤلاء حددها بمقدار الضرر الفعلي ، وبعضهم أجازه مطلقاً .

 

*ويمكن حصر هذه الآراء في اتجاهين :

الاتجاه الأول : اتجاه المانعين الذين يمنعون غرامة التأخير مطلقاً .

الاتجاه الثاني : اتجاه المجيزين الذين أجازوا فرض غرامة التأخير على المدين الموسر المماطل .

وقد استدل المجيزون بعدة أدلة نذكرها مع ما يمكن من مناقشتها مناقشة علمية متجردة ، وهي :

أولاً : استدلوا بثلاثة أحاديث وهي :

أ ـ قول النبي صلى اله عليه وسلم : (مطل الغني يظلم ) وهو حديث صحيح سبق تخريجه .

ب ـ قوله صلى الله عليه وسلم : (ليُّ الواجد بحل عرضه وعقوبته ) وهو حديث حكم بعض الرواة عليه بالصحة ، والبعض الآخر بالحسن ، أي فلا تقل درجته عن الحسن وهو حجة في إثبات الحكم الشرعي .

ج ـ قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا ضرر ولا ضرار )[39] وهو حديث حكم عليه الرواة بالصحة ، بل هو أصل من أصول المعاملات ، وقاعدة أساسية من القواعد الأربع التي يرجع إليها الفقه الإسلامي كله .

فالحديث الأولان يدلان على أن مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته وإن كانت في الغالب هي الحبس ، والضرب ونحو ذلك ، فليس هناك مانع من العقاب بالغرامة المالية ، وقد ثبت في السيرة والسنة ، وسنة الخلفاء الراشدين العقوبة بأخذ المال ، منها حديث بهز بن حكيم حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم بخوص المانع عن أداء زكاته : ( فإنا آخذوها وشطر ماله غرمة من غرمات ربنا …)[40] .

والحديث الثالث يدل بوضوح على منع الضرر والضرار ، ومن المعلوم أن مطل الغني يضرّ بالبنك الدائن ضرراً كبيراً حيث يحبس ماله عن الاتجار فيه ، لذلك يمكن أن تتخذ الغرامة المالية لمنع هذا الضرر ، لأن الضرر يزال ، وإزالة هذا الضرر إنما يتحقق بالتعويض عنه وذلك يتم عن طريق الغرامة المالية .

ويمكن أن يناقش الاستدلال بهذه الأحاديث حيث إن الحديثين الأولين لم يحددا العقوبة ، وتفسيرها بالغرامة المالية على التأخير يحتاج إلى دليل ، ثم إن سلطة فرض العقوبات وتنفيذها ليست للأفراد والشركات ، وإلاّ كان بإمكان البنك أن يقوم بجلد المدين وضربه وحبسه ، وحينئذٍ كان يحتاج إلى بناء السجون والجلادين ، ولم يقل أحد من العلماء السابقين بذلك .

والحديث الثالث يدل على رفع الضرر وليس فيه دلالة على فرض العقوبات من قبل الأفراد ، أو الشركات لتحقيق مصالحها ، بل إن الضرر لا يزال بضرر مثله .

ثم إن الدين له ميزانه الخاص الحساس القائم على عدم الزيادة فيه لأي سبب كان ، وإلاّ كانت هذه الزيادة ربا ، بل جعل الفقهاء بعض العقود التابعة له في نفس الدائرة ولذلك لم يجيزوا كفالة

وربما اشترط المجيزون أيضاً على جواز اشتراط غرامة التأخير ، أو الشرط الجزائي في الديون بما ذهب إليه جمهور الفقهاء ما عدا الحنفية من أن منافع الأعيان المغصوبة مضمونة [41].

والجواب عن ذلك أنه مع التسليم بذلك أن هناك فروقاً جوهرية بين النقود (وبالأخص النقود الورقية) وبين الأعيان من العقارات والحيوانات ونحوهما من عدة أوجه من أهمها أن الأعيان يمكن الاستفادة من منافعها كالسكنى في العقارات والركوب في الحيوانات ولذلك يجوز تأجيرها بمال ، ولكن النقود ليست لها منافع بذاتها ، ولذلك لا يجوز تأجيرها ، ثم إن النقود لها خصوصية حيث اشترط الرسول صلى الله عليه وسلم في بيعها المساواة الكاملة مع القبض الفوري (يداً بيد) إذا كان النقدان من جنس واحد ، والقبض الفوري فقط إذا كانا مختلفي الجنس ، وهذان الشرطان غير محتاج إل