الاقتصاد :
الاقتصاد : مصدر اقتصد ، وأصله من القصد ، وله عدة معان مثل الوسط ، واستقامة الطريق ، فيقال : قصد الطريق قصداً : استقام ، وقصد في الأمر : توسط ، فلم يُفرِط ، ولم يفرّط ، وقصد في الحكم : عدل ولم يمل ناحية ، وقصد في النفقة : لم يسرف ولم يقتر ، وقصد في مشيه : اعتدل ، وكذلك الحال في لفظ اقتصد ، حيث يقال : اقتصد في أمره : توسط ، واقتصد في النفقة : لم يسرف ولم يقتر ، ويطلق القصد على التوجه إلى الشي عمداً أي مع النية ، فيجمع على القصود ، ومنه المقصد والمقاصد[1] .
وفي القرآن الكريم ورد ( قصد ) ومشتقاته عدة مرات منها قوله تعالى : (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ )[2] أي اعتدل دون إسراع ، ولا بطء ، ومنها قوله تعالى : (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ …. ) أي المتوسط في الطاعات[3] ، وقوله تعالى : (مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) أي عادلة [4] ، وقوله تعالى : (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ )[5] ومنها قوله تعالى : (لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً…..) أي سهلاً مقتصداً [6] ، ومنها قوله تعالى : (وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ ) أي استقامة الطريق ، والاعتدال[7] .
وقال الأصفهاني : ( والاقتصاد على ضربين أحدهما : محمود على الاطلاق ، وذلك فيما له طرفان : إفراط وتفريط كالجود فإنه بين الإسراف والبخل …. ، والثاني : يكنّى به عما يتردد بين المحمود والمذموم …. وعلى ذلك قوله تعالى : ( فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ)[8] .
ولا يختلف معنى القصد والاقتصاد في السنة عما ذكرناه ، فقد ترجم البخاري : باب القصد والمداومة على العمل ، قال الحافظ ابن حجر : ( القصد : هو سلوك الطريق المعتدلة .. وفسّروا السداد بالقصد ، وبه تظهر المناسبة )[9] وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أحمد بالقصد[10] ( أي التوسط والاعتدال ) فقال : ( عليكم القصد )[11] وروى مسلم ، وأحمد ، وأصحاب السنن بسندهم عن جابر بن سمرة قال : ( كنت أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت صلاته قصداً ، وخطبته قصداً ) أي وسطاً بين الطول الظاهر والتخفيف الماحق .
وقصدي من هذا العرض أن الاقتصاد لم يرد بمعنى الأنشطة الاقتصادية في عرف اللغة ، ولا في الكتاب والسنة ، ولكن معناه يسع للمعنى الاصطلاحي المعاصر الذي يقصد به النشاط أو التعامل المادي التجاري والصناعي ، والزراعي ، والعقاري ، وما يتصل به من خدمات مالية[12] .
علم الاقتصاد[13] :
تعددت تعريفات علم الاقتصاد لدى الاقتصاديين وبين الغربيين ، فعرفه آدم سميث (ت1790هـ) بأنه العلم الذي يدرس الكيفية التي تمكن الأمة من أن تغتنى[14] وعرفه الفريد مارشال (ت1924م) بأنه علم يبحث في كيفية حصول الإنسان على دخله ، وكيفية استعمال هذا الدخل[15] وعرفه بيجو بأنه الدراسة التي تعنى بزيادة الرفاهية[16] وقال آخرون : أنه دراسة لسلوك الإنسان من جهة تعلقه باستعمال الموارد النادرة في إنتاج السلع والخدمات وتوزيعها واستهلاكها[17] .
والخلاصة أن علم الاقتصاد يدور حول دراسة الحياة الاقتصادية من جميع نواحيها[18] أو بعبارة أخرى فهو يبحث عن أساليب إنتاجية وتوزيعية تمكن المجتمع من استخدام الموارد الاقتصادية المتاحة له بكفاءة لإنتاج مختلف السلع التي يرغب فيها[19] .
فعلى ضوء ذلك فإن علم الاقتصاد يختلف عن المذاهب والنظم الاقتصادية ، إذ أن النظام الاقتصادي هو الطريقة التي يفضل المجتمع اتباعها في حياته الاقتصادية ، وحل مشاكلها العملية ، فالنظام الاقتصادي يرتبط بأيدلوجية المجتمع للعدالة الاجتماعية فيما يخص الملكية ، ووسائل التملك ، والحرية ونحوها[20] .
إن مهمة علم الاقتصاد هي ما يأتي :
-
استنباط القوانين والنظريات الاقتصادية التي يعتقد أنها تحكم العلاقات التي تربط مختلف الظواهر الاقتصادية[21] . فعلم الاقتصاد عام ولكنه يتخصص ويتلون بلون العقيدة (الأيدولوجية) أو الفلسفة التي ينبثق منها علم الاقتصاد ، والمبادئ العامة التي تتحكم فيه ، فإن كانت رأسمالية فيقال : علم الاقتصاد الرأسمالي ، وإن كانت اشتراكية فيقال : علم الاقتصاد الاشتراكي ، وإن كانت إسلامية فيقال علم الاقتصاد الإسلامي .
-
تحقيق أنسب قدر مستطاع من الإنتاج عن طريق الاستغلال الأمثل للموارد .
-
توزيع هذا الإنتاج للوصول إلى تحقيق قدر ممكن من الرفاهية[22] .
الاقتصاد الاسلامي[23] :
النظام الاقتصادي الإسلامي هو التصور الإسلامي للمشكلة الاقتصادية ، الذي يتضمن مجموعة من المبادئ الأساسية والمعطيات الأولية ، ثم تحليل كيفية تفاعل المتغيرات الاقتصادية في إطار هذه المبادئ والمعطيات[24] ، وبعبارة أخرى فإن الاقتصاد الإسلامي هو الانتفاع المشروع بالموارد الطبيعية المنتجة وحسن استثمارها[25] ، لذلك يتسم بمجموعة من الخصائص ، من أهمها :
1 ـ ارتباطه بالإسلام عقيدة وشريعة من حيث الالتزام بعدم تعارض أحكامه ونظرياته وحلوله مع الكتاب والسنة الصحيحة ، فهو اقتصاد رباني ، أخلاقي قائم على الدين والأخلاق وأن مرجعيته إلى الإسلام ،وهذا لا يعني غلق باب الاجتهاد أبداً ، بل الالتزام بالثوابت ، أما المتغيرات القابلة للاجتهادات في عالم الاقتصاد فأكثر من أن تحصى .
وعلى ضوء العقيدة الإسلامية فإن الملك الحقيقي لله تعالى ، وان الإنسان مستخلف في الأرض بأمر الله تعالى ، وبعبارة أخرى فملكيته ليست مطلقة دون قيود من المالك الحقيقي .
وهذا الارتباط تترتب عليه آثار كبيرة على مستوى العلاقات المتنوعة بين الإنسان والمال ، وبينه وبين ربه ، وبينه وبين أخيه الإنسان ، كما يترتب على ذلك أن هذا الاقتصاد اقتصاد أخلاقي واقعي إنساني وعالمي واقتصاد اجتماعي يتوخى المصالح التي لا تتعارض مع أحكام الشريعة الغراء .
2 ـ ارتباطه بالإسلام من حيث التصورات الخاصة باستخلاف الإنسان ، ودوره ، وبالملكية ، حيث التوازن بين الملكية الخاصة والعامة وبين الحرية المطلقة والجبرية المطلقة وبين تدخل الدولة وحرية السوق ، وبين المنافسة المنضبطة والمنافسة دون أي قيد .
3 ـ ان التوازن هو منهج الإسلام في كل تشريعاته ، وهو النهج الوسط الذي نزل به القرآن فقال تعالى:( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً )[26] وهو يعني المكان بين اليمين واليسار ، كما قال سيدنا علي رضي الله عنه:(اليمين واليسار مضلة،والوسط هو الجادة… )[27] .
ومن هذا المنطلق فقد اعترف الإسلام بالمكلية الخاصة ، وبسط لها ظل حمايتها الكاملة ، ولكنه قيدها ببعض القيود التي تعود بالمصلحة على المجمتع من خلال قيدين :
-
قيد على حرية امتلاك الفرد ، يخص منع امتداد الملكية الخاصة للموارد ذات النفع العام أو ما يعدّ ضرورياً لعامة الناس مثل مياه البحار ، والغابات ، ونحوهما .
-
وقيد خاص يتعلق بتحريم بعض أنواع الكسب ، والإنتاج والانفاق ، أي أنه يوجد بجانب الملكية الخاصة بنوعان آخران من الملكية هما : الملكية العامة ، أي ملك للمجتمع ، أو الأمة على سبيل الشيوع ، وبالتالي فلا يجوز لأحد أن يطغى وحده عليها ، وإلاّ تضرر الآخرون وهي ملكية المياه العامة (كالبحار والأنهار) والغابات.
والملكية الأخرى : هي ملكية بيت المال أو الدولة لمشاريعها الخاصة بها مثل الطرق العامة ونحوها .
وقد استطاع الفقه الإسلامي أن يجعل الملكية الخاصة والملكية العامة في مجال التكامل والتعاون وليستا في مجال التضاد والتناقض ، فالملكية العامة تتجه نحو الموارد العامة ، والخاصة تتجه نحو الموارد الخاصة دون أن يتضرر أحد من ذلك .
إن التجارب الإنسانية مع الرأسمالية والشيوعية تدل بوضوح على أن الملكية الخاصة وحدها مع حريتها أدت إلى ظلم شديد وتعسف لمعظم طبقات الشعب الكادحة ، وان الغاءها في النظام الشيوعي لم يعالج فقر الفقراء ، بل قضى على الأغنياء فجعلهم فقراء ، ثم انتهى النظام بالفشل الذريع كما شاهدنا في انهيار الاتحاد السوفيتي وانهيار نظامه الاقتصادي الذي أرجع إليه فشل نظامه السياسي أيضاً .
فالملكية فطرة من فطر الله تعال التي فطر الناس عليها ، لذلك لا يمكن كبتها وحرمان الناس منها كما قال تعالى : ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)[28] .
لذلك لا بدّ من تهذيبها وتحريكها نحو الخير والبناء ، وضبطها بالقيم الدينية والأخلاقية كما فعله الإسلام .
وكذلك الأمر بالنسبة لدور الدولة حيث إنه ليس دور التدخل والتحكم ، وإنما دور الرقابة والاشراف ـ كما سبق ـ .
وهكذا الأمر بالنسبة للمنافسة حيث أجاز المنافسة الشريفة وحرم الاحتكار والاستغلال .
وهكذا الإسلام يجمع في النظام الاقتصادي بين المصالح الخاصة والمصالح العامة ، والمصالح المادية والحاجات الروحية ، وبين الثبات والتطور[29] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) لسان العرب ، والقاموس المحيط ، والمصباح المنير ، والمعجم الوسيط مادة ( قصد )
([2]) سورة لقمان / الآية 19 ويراجع : تفسير الماوردي ط. وزارة الأوقاف الكويتية (3/283)
([3]) سورة فاطر / الآية 32 وتفسير الماوري (3/376) وروى أحمد في مسنده (2/198 ، 6/444) عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أي السابق فيدخل الجنة بغير حساب ، وأما المقتصد فيحاسب حساباً يسيراً ، وأما الظالم فيحصر في طول الحبس ثم يتجاوز الله عنه)
([4]) سورة المائدة / الآية 66 وتفسير الماوردي (1/476)
([5]) سورة لقمان / الآية 32
([6]) سورة التوبة / الآية 42 ، وتفسير الماوردي (2/140)
([7]) سورة النحل / الآية 9 ، وتفسير الماوردي (2/384)
([8]) المفردات في غريب القرآن ط. دار المعرفة ص 404 والآية 32 من سورة فاطر
([9]) صحيح البخاري ، الرقاق ، مع فتح الباري ، ط. السلفية ( 11/ 294 ـ 295)
([10]) مسند أحمد (…… )
([11]) صحيح مسلم ، الجمعة ( 1/591) الحديث رقم 866 ، وأحمد ( 5/107،106،102،100،95،94،93،91)
([12]) د. محمد بايللي : خصائص الاقتصاد الإسلامي ط. المكتب الإسلامي ص 46
([13]) يراجع : المقدمة في المال والاقتصاد والملكية والعقد ، دراسة فقهية قانونية اقتصادية ، أ.د. علي محيى الدين القره داغي ، ط. دار البشائر الاسلامية ببيروت 2007
([14]) د. عمرو محيى الدين ، ود. عبدالرحمن يسري : مبادئ علم الاقتصاد ط. دار النهضة العربية ، بيروت 1974 ص (ح)
([15]) كتابه : مبادئ الاقتصاد ، ط. 1980 ، مشار إليه في المرجع السابق ص (ح)
([16]) د. عمرو ، ود. عبدالرحمن يسري ، المرجع السابق نفسه
([17]) د. محمد منذر قحف : الاقتصاد الإسلامي ط. دار القلم ، الكويت 1399 ص 15
([18]) د. محمد صالح : أصول الاقتصاد ، ط. النهضة بالقاهرة 1352هـ ( 1/003) ود. أحمد جامع : مبادئ الاقتصاد ط. دار النهضة العربية بالقاهرة 1976 ص 005
([19]) د. سيف السويدي : مدخل لأسس الاقتصاد ط. 1992 ص 18
([20]) د. محمد عبدالنعم عفر : نحو النظرية الاقتصادية في الاسلام ط. الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية 1401هـ
([21]) د. يوسف إبراهيم : محاضرات في النظام الاقتصادي الإسلامي ط. 1405هـ ص 5
([22]) د. محمد أحمد صقر : الاقتصاد الإسلامي ، مفاهيم ومرتكزات ، بحثه المطبوع في : قراءات في الاقتصاد الإسلامي ط . جامعة الملك عبدالعزيز بجدة ص 6
([23]) يراجع : المقدمة في المال والاقتصاد والملكية والعقد ، دراسة فقهية قانونية اقتصادية ، أ.د. علي محيى الدين القره داغي ، ط. دار البشائر الاسلامية ببيروت 2007
([24]) أ.د. منذ رقحف : المرجع السابق ص 20
([25]) يرجع لهذا الموضوع : د. محمد شوقي الفنجري : ذاتية السياسة الاقتصادية الإسلامية ، ضمن بحوث المؤتمر السابع لمجمع البحوث المصرفية 1392هـ ص 265 وما بعدها ، ود. يوسف إبراهيم : محاضرات في النظام الاقتصادي الإسلامي ص 22
([26]) سورة البقرة / الآية 143
([27])
([28]) سورة آل عمران / الآية 14
([29]) د. محمد شوقي الفنجري : المرجع السابق ص 267 ، ويراجع : المقدمة في المال والاقتصاد والملكية والعقد ،
دراسة فقهية قانونية اقتصادية ، أ.د. علي محيى الدين القره داغي ، ط. دار البشائر الاسلامية ببيروت 2007