حقوق النبات على الإنسان في الإسلام :

 أراد الله تعالى أن تكون شريعته الخاتمة ( الإسلام ) تقوم على الحقوق المتقابلة بين الإنسان وأخيه الإنسان ، بل بين الإنسان ونفسه وأعضائه ، وأكثر من ذلك بين الإنسان وخالقه الذي تفضل وتكرم بمنح كامل الحقوق لعباده في الدنيا ، وحتى في الآخرة ، فإن الله تعالى جعل الجنة جزاء للايمان والعمل الصالح والاحسان فقال تعالى : (أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[59] وقال تعالى : (لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ)[60] ، وجعل النار جزاء للظلم والكفر فقال تعالى : (وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ)[61] وقال تعالى : ( … فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاء مَّوْفُورًا.. )[62] وهكذا .

  بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أصّل هذه الحقوق المتقابلة في أحاديث كثير منها قوله صلى الله عليه وسلم : ( فإن لجسدك عليك حقاً ، وإن لعينينك عليك حقاً ، وإن لزوجك عليك حقاً ، وإن لزورك عليك حقاً )[63] وفي رواية صحيحة أخرى رواها البخاري أيضاً : أن سلمان الفارسي قال لأبي الدرداء بعدما رأى أن زوجته أم الدرداء مبتذلة : ( إن لربك عليك حقاً ، وإن لنفسك عليك حقاً ، ولأهلك عليك حقاً ، فأعط كل ذي حق حقه ) فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فقال : (صدق سلمان )[64] .

  فهذا الشعار العظيم ( فأعط كل ذي حق حقه ) شامل لكل العلاقات ودال على أن كل إنسان له حقوق ، وعليه حقوق .

  وبناء على هذه الأدلة التي ذكرنا بعضها فقط ، وانطلاقاً من هذا الشعار فإن للنبات على الإنسان حقوقاً ، لأنه يعطيه خيرات كثيرة ومنافع كبيرة ، وفوائد عظيمة ، وبالتالي فعلى الإنسان أن يقابلها بالحقوق وليس بالعقوق ، وبالشكران وليس بالكفران ، وبالاصلاح وليس بالافساد ، وبالتعمير بدل التدمير ، وبالتنمية والتطوير وليس بالتخلف والتفجير .

 

ونستطيع أن نلخص هذه الحقوق بما يأتي :

أولاً ـ  حق الحياة والبقاء والحفاظ على النبات بكل أنواعه ، وما يتعلق بهذه المسألة ما شرعه الله تعالى من استصلاح الأرض وتمهيدها لزراعة النبات بجميع أنواعه ، بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل في مقابل هذا التعمير والتمهيد حق الملكية الكاملة للأرض التي استصلحت فقال صلى الله عليه وسلم : ( من أحيى أرضا ميتةً فهي له )[65] وأكثر من ذلك فإن الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه كان يعطي مهلة ثلاث سنوات لمن أقطعت له الأرض ولم يستصلحها ، فقد قال لبلال بن الحارض المزني : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقطعك لتحجره عن الناس ، إنما أقطعك لتعمل فخذ منها ما قدرت على عمارته ، وردّ الباقي )[66] .

  ومما يرتبط بهذا الحق أيضاً عمليات التلقيح والتهذيب والسقي والارواء وإزالة كل ما يضره ، وكل ما يمنع عنه الهواء أو الشمس ، وكذلك استغلال منتوجاته[67] ، فقال تعالى : (وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)[68] وقال صلى الله عليه وسلم : ( يا عائشة ! بيت بلا تمر جياع أهله ، أو جاع أهله ، قالها مرتين ، أو ثلاثة )[69] .

 

ثانياً ـ حق النبات في تكثيره بالغرس ، وتقويته بكل الوسائل المتاحة ( ثقافة الغرس والتشجير ) :

  ومما يرتبط بحق النبات هو السعي الدائب لتكوين تربية ، وثقافة خاصة بحب الغرس والتشجير للجيل الحاضر والجيل اللاحق .

فقد ذكرنا في السابق مجموعة من الأحاديث الدالة على ذلك ، ونذكر هنا ما روى أن : (رجلاً مرّ بالصحابي الجليل أبي الدرداء رضي الله عنه وهو يغرس جوزة ، فقال : أتغرس هذه وأنت شيخ كبير ، وهي لا تثمر إلاّ في كذا وكذا عاماً ، فقال أبو الدرداء : ما عليّ أن يكون لي أجرها ، ويأكل منها غيري ) وحديث الأمر بغرس الفسيلة إذا جاءت القايمة أكثر دلالة على ذلك .

  بل على الدولة أن تكون قدوة ، وأن تساعد الشعب على ذلك وتشجع ، حيث روى : ( أن عمر بن الخطاب قال لخزيمة بن ثابت : ما يمنعك أن تغرس أرضك ؟ فقال : أنا شيخ كبير أموت غداً ! فقال عمر : أعزم عليك لتغرسها ، وقام عمر وغرس الأرض مع صاحبها ) .

 

ثالثاً ـ عدم الاعتداء عليه :

  حيث لا يجوز إتلافه وإهلاكه ، ولا قطعه إلاّ لضرورة أو حاجة ، أو منفعة دون اسراف ولا تبذير.

 فبالنسبة للمسألة الأولى فقد سمى الله تعالى الذين يهلكون الحرث والنسل بالمفسدين فقال تعالى (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ)[70] .

  ومن المعلوم أن أشد العقوبات هي عقوبة الفساد في الأرض فقال تعالى : ( إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)[71] وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار )[72] وسئل أبو داود عن معنى هذا الحديث فقال : ( يعني أن من قطع سدرة في فلاة يستظل بها ابن السبيل والبهائم عبثاً .. وظلماً بغير حق يكون له فيها ، صوب الله رأسه في النار )[73] .

  وقد كان من وصايا الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه النهي عن تقطيع الشجر ، وتغريق النخيل ، وتحريقها[74] .

 وأما بالنسبة للاسراف في قطع النبات ، أو صرفه فقد نص القرآن على النهي عنه بعد ذكر عدد من النباتات ، فقال تعالى : (وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ )[75] .

  ويدخل كذلك في الاعتداء على النبات توسيخ بيئته وإفسادها ، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قضاء الحاجة ( البوك والغائط ) تحت الأشجار المثمرة ، أو المستظلة بها ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( اتقوا الملاعن الثلاث : البزار في الموارد ، وقارعة الطريق ، والظل )[76] . 

مقاصد القرآن الكريم من خلال العناية السابقة :

  فقد أولى القرآن الكريم عناية قصوى بالنبات ـ كما سبق ـ وتضمن عدداً غير قليل من أسماء الأشجار والنباتات والثمار ، ونحوها ، وذكرجملة من ثمار الجنة وفواكهها بأسمائها التي نعرفها في الدنيا ، بل إن الله تعالى سمى دار النعيم الآخرة بالجنة ، والجنات ، وأعد للمتقين حدائق وأعناباً .

  ومن هنا فإننا نتحدث عن المقاصد المعتبرة في هذا الاهتمام والعناية السابقة بالجنات والحدائق والفواكه والثمار والأشجار ، حيث تبين لنا ان مقاصد القرآن الكريم أو الشريعة هي ما يأتي :

 1.   توجيه الناس إلى حب الأشجار والنباتات والجنات والحدائق ، والعناية بها ، باعتبار أن الله يحبها ولذلك ذكرها في القرآن الكريم بهذه العناية ، وأن مصير أحبابه الخالد في الجنة يكون في الحدائق والجنان ذات الأشجار والأزهار .. .

فهذا بمثابة التوجيه الرباني لحب الجنان والحدائق والأشجار ، وللتهيئة النفسية (السايكلوجية) للمسلمين بان مصيركم يكون في الحدائق ، أي أنكم في الدنيا تسعدون مع الحدائق ، وفي الآخرة كذلك تسعدون بها وتنعمون بها .

2.   تحقيق التماثل والتشابه من خلال بيان مجموعة من المتماثلات والمتشابهات بين الإنسان والنبات ـ كما سبق ـ لتحقيق التجانس والتفاعل والمحبة للنبات ، لأن الإنسان يحب ما هو مثله ، ويتفاعل معه .

3.   توجيه الإنسان إلى أن النبات كان يحيط به ، ويلف به منذ بدايته إلى نهايته ، بل إن تحقيق الجنات في الدنيا والآخرة هو أحد الأهداف المهمة لهذا الإنسان ، فإن أبا البشرية آدم وأمها (آدم وحواء ) قد وهبهما الله تعالى الجنة عند خلقهما ، وكانا يحبانها ، ويتطلعان إلى معرفة كل ما فيها ، ثم أخرجا منها ، بسبب الشيطان إلى الدنيا همّاً وحسرة ليصنعا بأيديهما جنة الدنيا ، وبعملهما الصالح جنة الخلد في الآخرة .

إذن فالجنة أحطات بالإنسان منذ البداية ، ثم أخرج إلى جنة الدنيا ، ثم تنتهي الحياة الدنيوية لتبدأ الحياة البرزخية في القبر ليتحول بفضل الله تعالى ، ثم بفضل العمل الصالح إلى روضة ( جنة ) من رياض الجنة ) ثم إلى جنة الخلد في الآخرة.

4.    بما أن أهم أهداف الإنسان تعمير الكون على ضوء منهج الله فقال تعالى : (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا )[77] وأن رسالته هو الاستخلاف في الأرض للحفاظ على صلاحيتها والحفاظ عليها (وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا)[78] لذلك فإن العناية القصوى بالنبات (بمعناه الشامل للشجر والحشائش والجنات ) تكون من أهم مقاصد الشريعة للحفاظ على الكون ، ولتحقيق الضروريات والحاجيات والمحسنات والجماليات فيه ، لأن كل ذلك لن يتحقق بصورته الكاملة إلاّ من خلال العناية بالنبات .

5.   توجيه الناس للدراسة والنظر والتفكر والتأمل في هذه النباتات والأشجار والجنات لمزيد من الاستفادة واستخراج مزيد من المنافع الاقتصادية والغذائية والطبية ، فقال تعالى آمراً بالنظر فيها : ( وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ )[79]  وقال تعالى : (انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)[80].

6.   توجيه الناس إلى الانتفاع بالنباتات من الأكل والاستفادة منه في مختلف المجالات ، مع إعطاء حقه من الزكاة والصدقة للمستحقين فقال تعالى : (كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ )[81] .

7.   تحريك الحواس والعقل للنظر والتدبر في خلق الله تعالى وفي دقائق الأشجار والثمار والفواكه لمزيد من الإيمان والقناعة التامة بأن الخالق هو الله تعالى ، إذ لا يقدر على خلقها أحد من البشر على الرغم من تطور العلوم وذلك من خلال النظر إلى هذه الآلاء ، ورؤية هذه النعم ، والاستماع إلى أصواتها الجميلة حينما تعبث الرياح بأغصان الأشجار والنباتات وتغرد الطيور من فوقها ، وتأكل النحل من زهورها لتخرجها رحيقاً وشهداً وعسلاً مصفى ، وهكذا بقية الحواس لتسلم الأمر إلى العقل لمزيد من الايمان والثبات ، وللتحليل والتدبر والافادة منها في الدنيا والآخرة .

8.   دفع الناس إلى رعاية هذه النعمة العظيمة ( الأشجار والنباتات ) بثلاثة أمور ، أولاً : بشكر خالقها ، وثانياً : بالحفاظ عليها بعدم الاسراف والتبذير فيها فقال تعالى : (وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)[82] ، وثالثاً : السعي للزيادة منها ، ولذلك أمر الرسول صلى الله عليه وسلم المؤمن بغرس الفسيلة التي بيده حتى ولو جاءت الساعة.

9.   توجيه الناس ودفعهم للتنمية الشاملة ، والقضاء على المجاعة والفقر والمرض من خلال تنمية النبات ( بمعناه الشامل للأشجار والحبوب والزورع والأعشاب ) ، فالأمة الإسلامية إذا حققت هذه التنمية والتكثير في النبات فإن ذلك سيؤدي إلى الغنى ، أو تحقيق حدّ الكفاية ، بل تمام الكفاية ، وإلى القضاء على المرض والفقر ، حيث إن مشكلة العالم اليوم هي مشكلة الغذاء فلو حلّت لقضي على المجاعة على الأقل ، وتوافرت الحبوب والطعام ، كما أن النبات يعتبر من أهم مصادر الأدوية ، بل إن بعضها دواء ، وبالتالي حلت مشكلة الدواء بشكل سليم .

10.  توجيه الناس نحو الجماليات والمحسنات من خلال النظر والتمتع بجمال الأشجار والأزهار والخضرة والثمار فقال تعالى : (انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ …)[83] ، فالعناية بالجمال والزينة مقصد شرعي أصيل فقال تعالى : ( وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ  تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ  وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ رِزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ )[84] وقال تعالى : (وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ)[85] ، ولذلك استنكر القرآن الكريم الرهبنة وترك الدنيا والزينة فقال تعالى : ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)[86] ، وفي هذا دفع للمسلمين إلى العناية بجمال المظهر والمخبر والمسكن ، وفنائه ، والشارع ، وتجميله وتحسينه بالخضرة والنظافة

11. تحقيق اليقين ، وتحصيل القناعة والاعتقاد بحقيقة الآخرة والبعث من خلال الربط بين مراحل حياة النبات ، ومراحل حياة الإنسان والاستدلال بعالم النبات على قدرة الله تعالى وابداعه ووحدته ، وعلى البعث والاحياء والنشور فقال تعالى : (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )[87] وقال تعالى : ( وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا  الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا )[88] وفي سورة الحج بدأ بمراحل حياة الإنسان ثم انتهى بالنبات ، وربط بينهما للايمان بالله تعالى فقال : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ )[89] ، وقد تكرر هذا الربط بين مراحل الحياة للإنسان والنبات للوصول إلى خذا الايمان واليقين في أكثر من ثلاثين آية فقال تعالى : (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)[90] بل إن الله تعالى نص على هذا التماثل فقال تعالى : ( كَذَلِكَ الْخُرُوجُ )[91] بعد أن استعرض مجموعة من النباتات قال الإمام الطبري : (أي : كما أنبتنا بهذا الماء هذه الأرض الميتة ، فأحييناها به ، فأخرجنا نباتها وزرعها ، كذلك نخرجكم يوم القيامة أحياء من قبوركم ، من بعد بلائكم فيها بما ينزل عليها من الماء )[92] .

وقال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآيات[93] : (يقول تعالى منبهاً للعباد على قدرته العظيمة التي أظهر بها ما هو أعظم مما تعجبوا مستبعدين لوقوعه : ( أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا ) ؟ أي : بالمصابيح ، ( وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ) . قال مجاهد : يعني من شقوق. وقال غيره : فتوق. وقال غيره : من صدوع. والمعنى متقارب ، كقوله تعالى : ( الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ. ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ )[94]  أي : كليل ، أي : عن أن يرى عيبًا أو نقصًا.وقوله : ( وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا ) أي : وسعناها وفرشناها ، ( وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ ) وهي : الجبال ؛ لئلا تميد بأهلها وتضطرب ؛ فإنها مُقَرة على تيار الماء المحيط بها من جميع جوانبها ، ( وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ) أي : من جميع الزروع والثمار والنبات والأنواع ، ( وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ )[95] ، وقوله : ( بهيج ) أي : حسن نضر. ( تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ) أي : ومشاهدة خلق السموات والأرض وما جعل الله فيهما من الآيات العظيمة تبصرة ودلالة وذكرى لكل عبد منيب ، أي : خاضع خائف وجل رَجَّاع إلى الله عز وجل. وقوله تعالى : ( وَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا ) أي : نافعًا ، ( فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ ) أي : حدائق من بساتين ونحوها ، ( وَحَبَّ الْحَصِيدِ ) وهو : الزرع الذي يراد لحبه وادخاره. ( وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ ) أي : طوالا شاهقات. وقال ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، والحسن ، وقتادة ، والسدي ، وغيرهم : الباسقات الطوال. ( لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ ) أي : منضود. ( رِزْقًا لِلْعِبَادِ ) أي : للخلق ، (وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ) وهي : الأرض التي كانت هامدة ، فلما نزل عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ، من أزاهير وغير ذلك ، مما يحار الطرف في حسنها ، وذلك بعد ما كانت لا نبات بها ، فأصبحت تهتز خضراء ، فهذا مثال للبعث بعد الموت والهلاك ، كذلك يحيي الله الموتى. وهذا المشاهد من عظيم قدرته بالحس أعظم مما أنكره الجاحدون للبعث ، كقوله تعالى : ( لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ )[96] ، وقوله : ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)[97] ، وقال تعالى : ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )[98] .

ويمكن تلخيص ما سبق أوت نظيمه على شكل النقاط الآتية :

1-      الاستدلال بالنبات على وجود الله تعالى وقدرته وإبداعه وصفاته .

2-      الاستدلال بالنبات على إحياء الموتى .

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

 

 

 

 

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1])  سورة البقرة / الآية 30

([2])  سورة هود / الآية 61

([3])  أحكام القرآن للجصاص ط. دار الفكر ببيروت (3/164) ويراجع : تفسير ابن عطية (8/329)

([4])  سورة البقرة / الآية 31

([5])  سورة العلق / 5

([6])  سورة العلق / الآية 1- 5

([7]) يراجع: القاموس المحيط ، ولسان العرب ، والمصباح المنير مادة ( نبت )

([8])  د. كمال الدين البتانوني : حياة النبات في ضوء القرآن والسنة ، بحث منشور في موسوعة الاعجاز العلمي في القرآن والسنة على شبكة الانترنيت ، ود. محمد عبده الدسوقي : النبات في القرآن والسنة من المنظور الاسلامي

([9]) يراجع : القاموس المحيط ، ولسان العرب ، والمعجم الوسيط مادة ( قصد )

([10])  يراجع بحثنا : نظرات  في أنواع المقاصد وتنوعها بتنوع محلها ، وهل هي دليل ، أو مسلك ومنهج ومعيار ؟ مع مصادره المعتمدة  المنشور في موسوعة مقاصد الشريعة

 

([11]) يراجع : موسوعة الاعجاز العلمي في القرآن والسنة

([12])  سورة البقرة / الآية 35

([13])  سورة البقرة / الآية 35

([14])  سورة البقرة / الآية 21 –  22

([15])  سورة المؤمنون / الآية 18 – 19

([16])  سورة المؤمنون/ الآية 20

([17])  سورة السجدة / الآية 27

([18])  سورة عبس / الآية31 –  32

([19])  سورة يس / الاية 80

([20])  سورة البقرة /الآية 205

([21])  سورة يوسف / الآية 43

([22])  سورة الكهف / الآية 39- 40

([23])  سورة الواقعة / الآية 27 – 33

([24]) رواه البخاري في صحيحه ـ مع الفتح ـ ( 5/3)

([25]) رواه مسلم في صحيحه (2/1188)

([26]) راوه مسلم في صحيحه (2/1188)

([27]) رواه البخاري في صحيحه

([28]) رواه مسلم ي صحيحه

([29]) يراجع لتفصيل ذلك : المغني لابن قدامة ط. الرياض (3/349 – 356)

([30])  رواه مسلم في صحيحه ( 3/1190)

([31]) مسند أحمد (3/191)

([32])  مسند أحمد (3/184)

([33]) فتح الباري شرح صحيح البخاري (5/28)

([34])  المصدر السابق (5/53)

([35])  يراجع : صحيح مسلم ( 3/ 1186 – 1132 )

([36]) رواه البخاري في صحيحه

([37]) رواه أحمد في مسنده

([38])  سورة الحِجْر / الآية19- 22

([39])  سورة الأنبياء /  الآية 30

([40])  سورة الأنعام / الآية 99

([41])  سورة الأنعام / الآية 99

([42]) بحثه السابق المشار إليه في موسوعة الاعجاز العلمي في القرآن والسنة

([43])  سورة الأنبياء / الآية 30

([44])  سورة الأنعام / الآية 99

([45])  سورة طه / الآية 53

([46])  سورة الفرقان / الآية  54

LinkedInPin