تمهيد

تتلخص مباحث هذا البحث في بيان أهمية ” عوض المثل ” في الفقه الإسلامي ، ودوره في تحقيق العدالة في المعاملات وغيرها  وفي الوصول إلى تعريف جامع مانع لعوض المثل ، ومعياره المرن الملاحظ فيه العناصر المادية والنفسية ، كما أسهب البحث في كيفية التقويم في عوض المثل ، وبم يكون التقويم ؟  وهل يشترط العدد ؟ وما الحكم عند اختــلاف المقومين ، أو عند ثبوت التقويم غير العادل ؟ ومدى تأثير الزيــادة على ثمن المثل ، أو تغير عوض المثل ، ثم أفاض في بعض تطبيقات أساسية لعوض المثل ، وذكر آراء الفقهاء وأدلتهم مع المناقشة والترجيح .                            

 

 

 المقدمة

                                            بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه . 

وبعد : 

فقد أولى الإسلام عناية كبيرة برعاية المثل في الحقوق والالتزامات باعتباره يمثل العدالة التي ينشدها وشيد أسسه عليها ، ولذلك نرى أن لفظة ” المثل ” ومشتقاتها تتكرر في القرآن الكريم أكثر من مائة وخمسين مرة ، كما نجدها ترد كثيراً في السنة المشرفة ، وجاءت أقضية رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) برعاية عوض المثل أكثر من مرة ، فقد قضى ( صلى الله عليه وسلم ) في بَرْوَع  بنت واشق [1] بمهر المثل حيث كانت قد تزوجت بغير مهر ومات زوجها [2] .

 

وعُنيَ الفقه الإسلامي بمختلف مذاهبه ومدارسه ــ بتطبيقات عوض المثل في أكثر أبواب الفقه سواء ما يتعلق منها بالمعاملات أو بأحكام الأسرة ، أو بالضمان والتعويض والتمليك بالمثل ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : ” عوض المثل كثير الدوران في كلام العلماء ، وهو أمر لا بد منه في العدل الذي به تتم مصلحة الدنيا والآخرة ، فهو ركن من أركان الشريعة مثل قولهم : قيمة المثل ، وأجرة المثل ، ومهر المثل ونحو ذلك .. ويحتاج إليه فيما يضمن بالإتلاف من النفوس والأموال والأبضاع والمنافع … ” [3] ، بل إن العلامة ابن القيم جعل مدار الاستدلال جميعه على التسوية بين المتماثلين ، والفرق بين المختلفين ” [4]  .

 

وعلى الرغم من أهمية هذا الموضوع وكونه يشكل أساساً من أسس الفقه الإسلامي فإنا نجد أحكامه متناثرة في بطون الكتب الفقهية ومبعثرة على كثير من أبواب الفقه المتفرقة ، ولم أر من قام بجمع شتاته ، ولمِّ متفرقاته لتتكون منها نظرية متكاملة الأركان متراصة البنيان موضحة المعالم ..

 

وهذا ما نحن بصدده ، ولا أريد أن يقف عملي عند هذا الجمع على الرغم من أهميته وإنما يتجاوز ــ بإذن الله تعالى ــ إلى التمحيص والتنقية ، والترجيح ، وأحاول جاهداً للوصول إلى وضع معيار دقيق للمثل وعوضه ، حيث تاهت فيه بعض الآراء ، واختلطت المعايير ، واختلفت التعاريف حسب أماكن وروده في الأبواب الفقهية ، كما نلقي الأضواء على كيفية التقويم في عوض المثل ومعياره ، وتطبيقاته ، ثم نحاول جاهدين للوصول إلى تقديره والعناصر المؤثرة فيه ، ثم نتناول نطاقه وتطبيقاته ذاكرين لمسائله الأقوال الفقهية مع أدلتها ، وترجيح ما يعضده الدليل ، ثم نختم البحث بخلاصة البحث ونتائجه .


  1.  هي بروع بنت واشق الكلامية زوج هلال بن مرة . انظر الإصابة ( 7/534 )

  2. الحديث صحيح رواه أحمد في مسنده ( 4/147 ) وأصحاب السنن والحاكم ــ وسيأتي المزيد من الكلام في مسألة مهر المثل ـ إن شاء الله .

  3.  مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ، ط . دار الإفتاء بالسعودية ( 29/520 )

  4.  أعلام الموقعين ( 1/131 )