بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ، وبعد

فتوى مؤصلة بجواز دفع قيمة الرقبة وهي (3500 دولار ) في حالات انتهاك صيام رمضان، وفي الكفاراات التي يجب فيها عتق رقبة

تردنا في كل رمضان منذ سنوات طوال أسئلة حول كفارة مَنْ واقعَ زوجته في نهار رمضان وهو صائم ، حيث الحديث الصحيح المشهور واضح في أن عليه أولاً عتق رقبة ، فإن لم يجد فصيام ستين يوماً ، وكذلك السؤال عن كفارة القتل الخطأ ، ونحوها.

 ومن المعلوم أنه في ظل عدم وجود الرقبة تبدأ المرحلة الثانية وهي صعبة جداً ، وهي صيام ستين يوماً ، ومن هنا يبحث الناس عن بعض المخارج والحيل ، وهو عتق رقبة موهومة في موريتانيا أو في بعض الدول الأفريقية .

 ولما بحثت هذا الموضوع وجدت أن جميع الدول في العالم قد اتفقت على إلغاء نظام الرقيق منذ النصف الثاني من القرن العشرين ، وأن وجود الرقيق أو بيعه محظور في جميع القوانين المعاصرة بما فيها موريتانيا ، ونحوها ، وتأكدت من خلال الثقات أن هذه الأموال تعطى لرؤساء القبائل أو القرى فيأكلونها ظلماً وعدواناً.

 ومن الجانب الفقهي أن مقصد الشارع من تحرير الرقبة هو إحياء عبد من عباد الله بالحرية في مقابل الاعتداء على حقه تعالى ، فالجانب المالي فيه واضح ، كما أن الجانب الإنساني أيضاً واضح ، لهذا وللأسباب الآتية لم أكن مرتاحاً لما يفعله البعض من الذهاب إلى أفريقيا ، كما أن الانتقال إلى صيام ستين يوماً لا يخلو من حرج ولا سيما لمن لديه المال ، بل لا ينسجم مع وجود المال والقدرة على العطاء ، فالنصوص الشرعية في الكفارات قيدت الانتقال من تحرير الرقبة إلى الصيام بعدم وجود المال الكافي لدى الشخص ، فكيف يتم انتقاله إلى غير المال ولديه المال؟

 لذلك كله بحثت هذا الموضوع منذ فترة طويلة مستعيناً بالله تعالى وتوفيقه وتوصلت إلى هذه الفتوى التي إن كانت مصيبة فهي بفضل الله تعالى وحده ، وإلاّ فأسأله تعالى أن لا يحرمني من أجر واحد .

 إن مما أؤمن به إيماناً جازماً أن كل كلمات القرآن الكريم وتشريعاته خالدة ، فلا يمكن أن تكون تشريعاته زمنية تنتهي بزمن معين ، وإنما هي دائمة وخالدة إلى يوم القيامة فقال تعالى 🙁 الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً )   وقال تعالى : (وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)  .

 ومن هذا الإيمان انطلقت نحو فهم بعض التشريعات الواردة بشأن عتق الرقبة الواجب عند قتل المؤمن خطأ فقال تعالى : ( وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ..)   وفي حالة الظهار حيث يقول : (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)  ، كما أن عتق الرقبة هو أحد الخيارات الثلاثة في كفارة الأيمان فقال تعالى : (لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ، وكذلك يجب عتق الرقبة في كفارة المعاشرة الجنسية للصائم في نهار رمضان ، كما ورد في ذلك الحديث الصحيح المشهور .

وهنا يرد سؤال : كيف ذكرت هذه الأحكام المتعلقة بتحرير الرقبة ( أي العبد ) وهذا النظام قد انتهى منذ منتصف القرن العشرين ؟

والجواب عن ذلك هو :

أولاً – أن نظام الرّق لم ينشئه الإسلام ، بل عالجه بجميع الوسائل ، فضيّق منافذه ، بل أغلقها بتدرج ، ولكنه فتح المخارج والوسائل الكثيرة التي تؤدي إلى إنهائه.

ثانياً – أن الله تعالى يعلم علم اليقين أن نظام الرق يلغى ، فقال تعالى : (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)   ولذلك استعمل كلمة قابلة لتجديد معناها وهي كلمة (رقبة) في الآيات التي تربط بعض الأحكام بها ، ولم يستعمل لفظ (الرق) مثلاً الذي هو نص في المملوك ، أو لفظ (العبد) وذلك لأن لفظ (رقبة) في الآيات الثلاث ، والرقاب في آيات البقرة والتوبة بخصوص الزكاة والصدقات ليس نصاً في الرق بإجماع أهل اللغة ، بل هي حقيقة في العنق ، واستعملها القرآن فيه فقال تعالى : (فَضَرْبَ الرِّقَابِ) ، وأن تسمية العبد المملوك بالرقبة هو من باب المجاز المرسل من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل ، والسبب في هذه التسمية هو أن المملوك قد أذلت رقبته معنوياً بالرق ، ومادياً بكثرة الحمل والعمل  .

 ومن هنا فإن اللغة تسمح في الفصيح الصريح إطلاق ( الرقبة ) على غير المملوك ممن أذلت رقابهم مثل الأسير ، ونحوه ، وهذا مروي عن بعض العلماء ، فقد ذكر الفخر الرازي أن بعض العلماء أدخلوا في معنى (وفي الرقاب) فداء الأسارى ، وكذلك ذكر ابن عطية ، والنيسابوري ، والشوكاني ، والزمخشري ، أن معانيها : فك الأسرى  وأدخل بعض المعاصرين الشعوب المحتلة مثل فلسطين في هذا المصرف أيضاً فقال الشيخ رشيد رضا : (ويجب أن يراعى… أن لسهم فك الرقاب مصرفاً في تحرير الشعوب المستعمرة من الاستعباد إذا لم يكن له مصرف تحرير الأفراد… ، ووافقه في ذلك الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت، وأكد على أن رق الأفراد إذا كان قد انقرض فإنه قد حل محله الآن رق هو أشد منه خطراً على الإنسانية، وهو استرقاق الشعوب في أفكارها، وفي أموالها وسلطانها بقوة ظالمة غاشمة “وإذن فما أجدر هذا الرق بالمكافحة والعمل على التخلص منه، ورفع ذله عن الشعوب، لا بمال الصدقات فقط بل بكل الأموال والأرواح وبذلك نعرف مقدار مسئولية أغنياء المسلمين عن معونة الشعوب الإسلامية) .

ثالثاً – إن هذه الأحكام كلها في دائرة التعليل ، إذ أنها ليست من العبادات المحضة (الشعائر) القائمة على التوقف ، وبالتالي نستطيع أن نستخرج العلة منها من خلال مسالك العلة ، وبخاصة السبر والتقسيم ، وتحقيق المناط.

رابعاً – إن لنا سابقة اتفق فيها الفقهاء على جواز دفع البدل من العبد ، وذلك في قصة إسقاط الجنين بفعل امرأة أخرى – كما سيأتي – .

الحكم الشرعي وأدلته :

 قلنا : إنه يجوز في جميع الكفارات التي نص فيها على أنها تحرير رقبة : أن يدفع بدلها خمسة جمال ، أو قيمتها ، وأن خمس جمال يمكن أيضاً تقديرها بنصف عشر الدية الكاملة وهي عشرة آلاف ريـال قطري أو سعودي اليوم ، وهي قَدَراً اليوم قيمة خمسة جمال متوسطة الحال.

وذلك للأدلة الآتية :

أولاً – ما ورد ، وما اتفق عليه في بدل الغرّة :

1- فقد ورد فيها الحديث الصحيح الذي رواه البخاري في صحيحه الحديث رقم 25759 ، ومسلم في صحيحه الحديث رقم 1681 ، بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه : ( أن امرأتين رمت إحداهما الأخرى بحجر ، فطرحت جنينها ، فقضى فيه النبي صلى الله عليه وسلم بغرّة: عبد أو وليدة ..).

2- وبناء على هذا الحديث الصحيح وغيره فقد اتفق الفقهاء على أن الواجب في إجهاض الجنين الذي ينفصل ميتاً وهو غرّة ، وهي عبد ، أو جارية صغيرة .

3- واتفقوا أيضاً على أن البديل عن الغرّة في حالة فقدانها حسّاً : بأن لم توجد فعلاً – كما في زمننا- ، أو شرعاً : بأن وجدت بأكثر من ثمن مثلها فحينئذ يجب بدلها وهي عشر دية الأم ، أو نصف عشر الدية الكاملة ، وهي خمس إبل ، أو خمسون ديناراً من الذهب أي مثقالاً وهو يعادل 215 غرام ونصف غرام من الذهب ، أو ستمائة درهم من الفضة أي 1785 غراماً من الفضة  .

 وقد رأى جمع من الفقهاء من السلف الصالح على أن الأصل المعتمد هو التقدير بالجمل ، وبالتالي فإن قيمة خمسة جمال متوسطة اليوم في حدود عشرة آلاف ريـال قطري أو سعودي ، وهي قيمة نصف عشر الدية الكاملة في عصرنا الحاضر ومن هنا فالحل هنا محل اتفاق ، وهو دفع خمسة من الابل ، ولا مانع شرعاً عند الكثيرين من دفع قيمتها وهي 3500 دولاراً ، وهذا أصل قوي صالح للقياس عليه .

ثانياً – دفع القيمة في الكفارات والصدقات :

حيث ذهب جمع من العلماء سلفاً ، وجمهور المعاصرين إلى جواز دفع صدقة الفطر وبقية أنواع الزكاة ، والكفارات بالقيمة – على تفصيل فيما بينهم – ، فذهب الحنفية ، والبخاري ، وأشهب من المالكية ، ( وهو مروي عن عمر بن عبدالعزيز ، والحسن البصري ، وسفيان الثوري )   إلى جواز دفع قيمة الزكاة الواجبة مطلقاً إلى المستحقين ، ويكون الدفع بها أفضل إذا كانت القيمة تحقق مصالح الفقراء أكثر من العين ، وهذا رأي شيخ الاسلام ابن تيمية ، وكذلك رجحه ابن رشد ، وقال بعد ذكر الخلاف داخل المذهب المالكي : (الإجزاء أظهر)  وصوبه ابن يونس أيضاً في شرح الرسالة لابن ناجي قولاً لأشهب وابن القاسم وقال : إن إخراج القيمة مطلقاً جائز ، وقيل بعكسه  ، وهناك رواية عن أحمد بجواز دفع القيمة في الزكوات ما عدا الفطرة .

 ويعود هذا الخلاف إلى التكييف الفقهي للزكاة هل هي عبادة محضة أم أنها حق مالي فرضه الله تعالى على العباد لسدّ خلة المستحقين ؟ .

 فالذين أجازوا دفع القيمة قالوا : إنها – مع كونها  عبادة – حق مالي معقول المعنى ، وبالتالي ينظر إلى علته ومقاصده .

 وهو الراجح لقوله تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا)  حيث بيّن الله تعالى العلة والحكمة منها وهي تطهير قلوب الأغنياء من الجشع ونحوه ، وقلوب الفقراء من الحقد ونحوه ، وتزكيتهم أي تنميتهم وسد حاجتهم ، والارتقاء بهم ، بالاضافة إلى أن القيمة النقدية لا تخرج عن دائرة (الأموال) التي أمر الله تعالى بدفع نسبة منها إلى المستحقين ، وهذا ما فهمه الصحابة ، حيث أخذ معاذ في اليمن الألبسة التي كان أهل المدينة بحاجة إليها مكان صدقتهم ، فقال: ( ائتوني بخميس ، أو لبيس آخذه منكم مكان الصدقة ، فإنه أهون عليكم ، وخير للمهاجرين بالمدينة)   ، لذلك رجح هذا القول البخاري وغيره من المحدثين ، حتى قال ابن رشد : ( وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم ، ولكن قاده إلى ذلك الدليل) .

 وقصدي من سرد هذه الأقوال والأدلة بإيجاز هو أن دفع القيمة حتى في الزكاة بجميع أنواعها وارد من السلف ، وقوي الحجة والبرهان ، فإذا كان الأمر كذلك فيها فيكون دفع القيمة في الكفارات أقوى وأولى والله أعلم ، بالاضافة إلى أن دفع القيمة في الكفارات قول لبعض أهل العلم.

ثالثاً – ويدل على جواز دفع القيمة في صدقة الفطر ما ورد في أحاديث صحيحة أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم قوّموا صاعاً من تمر أو شعير المنصوصين فيها بنصف صاع من القمح ، منها :

أ- ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما بسندهم عن ابن عمر قال : ( فرض النبي صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر – أو قال : رمضان – على الذكر والأنثى والحرّ والمملوك : صاعاً من تمر ، أو شعير ، فَعدلَ الناس به نصف صاع من بُرّ…)   ورواه الترمذي بلفظ : ( فعدل الناس إلى نصف صاع من بُرّ ) وقال : ( حسن صحيح )   وراه مسلم بلفظ : ( قال ابن عمر : فجعل الناس عدله – أي عدل الصاع من تمر أو شعير – : مُدّين من حنطة)   قال الطحاوي : ( إنما يريد عبدالله بن عمر من قوله : ( جعل الناس عدله ) أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جوز تعديلهم في مثل هذا الأمر ، ويجب الوقوف عند قولهم لعلمهم موارد النصوص ووقوفهم على المراد)  وهذه الآثار الصحيحة تدل على إجماع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على تقويم صاع من  تمر ، أو شعير بنصف صاع من القمح ، وما ذلك إلاّ من اعتبار القيمة وعدها معياراً لهذه المعادلة .

 ثم إنه لا يضر هذا الاجماع ما روى أن أبا سعيد الخدري لم يوافق معاوية  في تعديل صاع من تمر أو شعير بنصف صاع من البُرّ ، وذلك لأن الإمام الطحاوي أجاب عن ذلك بجوابين :

الجواب الأول : أن أبا سعيد قد روى عنه من رأيه ما يوافق ذلك .

الجواب الثاني : أن اعتراضه على ( المُقوَّم ) – بفتح الواو المشددة-  ليس على القيمة حيث قال الطحاوي في رواية عياض عنه : ( تلك قيمة معاوية لا أقبلها ، ولا أعمل بها ، لأنه في ذلك لم ينكر القيمة ، وإنما أنكر المقوم) .

 ثم إن حديث معاوية صحيح في هذا التعديل دليل على أن علماء الصحابة ونحوهم قد رضوا به ، ما عدا أبا سعيد الذي اعترض على المقوّم ، وليس القيمة.

ب- ما روي عن عمر وعلي أنهما قاما بعدل نصف صاع من البُرّ بصاع من تمر ، أو شعير ، قال الطحاوي : ( فإنه قد روي عن عمر مثل ذلك ، حيث عدل نصف صاع من بُرّ بصاع من شعير في كفارة اليمين )  ثم قال : (وروى مثله عن علي) فقد روى أبو داود بسنده عن ابن عمر قال : ( كان الناس يخرجون صدقة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعاً من شعير …الخ قال : فلما كان عمر رضي الله عنه وكثرت الحنطة جعل عمر نصف صاع حنطة ، مكان صاع من تلك الأشياء)  .

رابعاً- ومن جانب آخر فإن جميع النصوص الشرعية التي ذكرت انتقال الشخص الذي وجب عليه تحرير رقبة في الكفارات إلى الصيام قيدت هذا الانتقال بعدم استطاعته المالية ، ففي كفارة القتل الخطأ يقول تعالى بعد ذكر الحكم الأصلي وهو تحرير رقبة : ( فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً )   ، وفي كفارة الأيمان يقول تعالى : (فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)   ، وفي كفارة الظهار يقول تعالى : (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ، وكذلك الحديث الصحيح في كفارة مَنْ واقع زوجته في نهار رمضان .

 وبناءً على هذه النصوص الواضحات فإن الانتقال إلى قيمة الرقبة وهي محددة بالإجماع بخمسة جمال أولى وأوضح وأقوى من الانتقال إلى الصيام ؛ لأنه انتقال إلى البدل المباشر.

 

  وبناء على كل ما أمكن ذكره هنا من الأدلة في هذه الفتوى فقد ظهر لي ظهوراً بيّناً : جواز دفع قيمة ( الرقبة ) في جميع الكفارات ، وهي كفارة القتل الخطأ (بالإجماع ، والعمد على خلاف) ، وكفارة الظّهار ، وكفارة المعاشرة الجنسية في نهار رمضان ، ونحوها من الكفارات التي يجب فيها تحرير رقبة .

 وأن تحديد قيمة العبد قد تم بالإجماع في قتل الجنين بخمسة جمال متوسطة الحال ، أو بنصف عشر الدية الكاملة وهي من الإبل أيضاً خمس ، ومن الذهب خمسون مثقالاً أي 215 غراماً ونصف غرام من الذهب ، ومن الفضة ستمائة درهم وتعادل 1785 غراماً من الفضة.

 فتلك هي الأصول للديات ، لكن معظم العلماء على أن الأصل الذي يرجع إليه هو الإبل ، لأنها من السلع المهمة الضرورية ، أو الحاجية ، وبناءً على ذلك نُقدّر بها ، وهي خمسة جمال متوسطة ، وقيمتها في حدود عشرة آلاف ريـال قطري أو سعودي ، وحتى لو قدّرنا الدية بالنقود اليوم ، فأكثر الديات المعتمدة لا تزيد عن مائتي ألف ريـال ، وأن نصف عشرها هي عشرة آلاف ريـال ، وهي تعادل 2740 دولاراً ، ولمن أراد الاحتياط فليدفع أكثر .

 فنحن هنا اعتمدنا على خمسة جمال واعتبرناها الأصل – كما هو رأي الجمهور- وبالتالي فمن أراد أن يدفعها في هذه الكفارات فقد برئت ذمته – بإذن الله تعالى – ومن أراد أن يدفع قيمتها فهو كذلك مع ملاحظة أن القيمة النقدية التي ذكرتها هي السائدة في دول الخليج ومعظم الدول العربية ، ولو وجبت كفارة على شخص في بلد تكون الجمال الخمسة أقل – كما في استراليا وأفغانستان- أو أكثر فإن الواجب الشرعي هو أداء تلك القيمة إلاّ لمن أراد الزيادة ( فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ )  .

 هذا ما أردت بيانه تيسيراً على الناس ورفعاً للحرج ، ودفعاً للتحايل ، وتحقيقاً للمقاصد مع رعاية الأدلة الجزئية ، وإحساساً مني بحاجة الناس إلى مثل هذه الفتوى.

 راجياً أن يكرمني ربي بالأجرين ، وان يعصمني من الخطأ والخطيئة في العقيدة والقول والعمل.

هذا والله أعلم تعالى أعلم بالصواب

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

كتبه الفقير إلى ربه

أ.د.علي محيى الدين القره داغي