إن المسؤولية في الإسلام مسؤولية مشتركة، يشترك فيها الجميع، فكما أن على الدولة مسؤولية فإن على كل إنسان أيضا مسؤولية، ولا سيما تقع على رأس هذه المسؤوليات و الأولويات مسؤولية الإنسان عن أهله وعن أولاده ؛ فرعاية هذه المسؤولية من أعظم القربات عند الله سبحانه وتعالى لأنك حينما تقوم بواجبك نحو أهلك، و أسرتك، وأولادك بنين و بنات، فإنك قد أنشأت جيلا صالحا، وأنشأت أسرة متماسكة، وما المجتمع الذي نعاني منه ونشتكي، ونقول أمتنا كذا و كذا.. ، إلا عبارة عن المجتمع، وما المجتمع إلا عبارة عن الأسر؛ فالأسر هي النواة واللبنة الأولى لبناء المجتمع الصحيح، فإذا كانت الأسرة قوية متماسكة متعلمة، محبة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وللمسلمين يكون المجتمع كذلك، وتكون الأمة كذلك، وإذا كان الأمر بالعكس فتكون النتيجة أيضا عكسية، كم نتحمل المسؤولية حينما نهمل هذه المسؤولية داخل البيت؛ لأن ما يترتب عليه  من مشاكل أو مسؤوليات لا تقتصر على الشخصية و إنما يتجاوز إلى مسؤوليات أسرية، و مسؤوليات مجتمعية، وحينما نحسن كم يكون لنا من الأجر والثواب؟ ، أولا ولد صالح يدعو له، أو ولد صالح يقوم بالأعمال الطيبات، أو ولد صالح يدعو الله تعالى، أو ولد صالح يخدم المجتمع، أو ولد صالح يخدم الأمة، أو ولد صالح يقود الأمة، أو ولد صالح يعلم الأمة كل ذلك من الآثار الطيبة ، قال تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾[1] يس:12 ، وأعظم آثار الإنسان أولاده بنين و بنات كلاهما على نفس المستوى حينما يحسن الإنسان التربية وحسن الأخلاق فيهم ، فحينئذ كم يفعل الأولاد و أولاد الأولاد ، و الأحفاد و الذرية فيكون لك سهم من كل هذه الأعمال، وحينما تقرأ كتابك – إنشاء الله تعالى – بيمينك و ترى أعمالك الصالحات تفرح بها، و حينما تأتي إلى الصفحة الأخرى فتجد أعمالا لم تقم بها فتقول يارب إني لم أعمل كذا ؛ فإني لم أبني مسجدا وقد كتب لي مسجدا، إني لم أهدي شخصا وقد كتب لي ذلك، إنني إنني…. ؛ فينادي منادي إن هذا من آثارك تصديقا لقوله سبحانه و تعالى : ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾، وطبعا الآثار تشمل بقية أنواع الصدقات الجارية، والوقف المستمر، ولكنه بلا شك أعظمها على الإطلاق الولد الصالح، والولد الصالح كلمة جميلة ولكن تحقيقها ليس سهلا يحتاج إلى الجهد والعناء، ويحتاج إلى الدعاء، ويحتاج إلى التضرع إلى الله سبحانه و تعالى، ويحتاج إلى التربية السليمة، وكما أن تربية الأهل و الأولاد من أقرب القربات فهي كذلك من أعظم المسؤوليات والواجبات، ومن أعظم الحقوق المتقابلة التي شرعها الإسلام.

الإسلام كله يقوم على الحقوق المتقابلة، فلذلك يقول الله  سبحانه و تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾[2]، وجاءت هذه الآية الكريمة بصيغة الواو للعطف التي تدل على الجمع ، وهذا يدل على أن مسؤوليتنا لا تنتهي عندما نكون صالحين إلا إذا ضم إلى هذا الصلاح صلاح أولادنا وإصلاحهم ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ﴾، قال تعالى: ﴿ وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ ﴾[3] ، نُسأل أولا عن أنفسنا ثم نُسأل ماذا فعلتم بأهلكم، و أولادكم ، وكيف ربيتم، ما الذي فعلتم؟ في يوم عسير قال الله تعالى :﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾[4] ، في هذا اليوم الذي يود الإنسان أن يسرع الخطى نحو الجنة بإذن الله سبحانه و تعالى، قال تعالى: ﴿ وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ ﴾، مسؤولون عن أنفسكم، مسؤولون عن أهلكم، مسؤولون عن أولادكم، ثم المسؤولون الآخرون مسؤولون عن أمتهم، وكذلك نحن جميعا مسؤولون عن كل من هو تابع لنا من الخدم و السواقين، وعن كل من نعول، مسؤولون عن هؤلاء أمام الله سبحانه و تعالى، و في الحديث الصحيح يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : « كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ ومَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، – قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ- وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ »[5].

فالمسؤولية تشمل كل إنسان تحت يده شخص، أو أي أمر صغيرا كان أو كبيرا، ولابد أن نعدّ لها، وكما قلت فهي ليست مجرد كلمة تقال، أو خطبة رنانة تقال، وإنما عملية تربوية صعبة علينا أن نتحملها لما لها من آثار طيبة إن أحسنا المسؤولية وأحسنا التربية، ولها آثار سيئة علينا في دنيانا و في أخرانا إذا أهملنا هذه التربية. 

هذه التربية تبدأ حتى قبل الزواج، اشتكى شخص إلى محمد بن سحنون ـــ أحد العلماء الكبار المهتمين بتربية الأطفال ــ سوء أحوال أولاده، فقال له هذا المربي العظيم :" لقد تأخرت" ، قال:" والله ما تأخرت فبمجرد أن وصلوا إلى ست و سبع سنوات وجدت فيهم سوء الأخلاق و سوء الأديب  "، قال له:" لو أتيت إلي قبل أن تتزوج، لوصفت لك ذلك ، لأن البداية تبدأ من المرأة الصالحة، و الرجل الصالح "، لا يجوز أن نبحث لبناتنا عن الولد الذي هو أكثر غنى أو له شهادات أو له نسب أو غير ذلك ، فأول ما نسأل عن دينه وخلقه ثم نسأل عن بقية الأمور قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« إذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ ، وَفَسَادٌ عَرِيضٌ »[6]، وهكذا أيضا بالنسبة للرجل أول ما يبحث عن الزوجة الصالحة، فصلاح الدين على سبيل المثال كان والده نجم الدين تأخر في الزواج رغم أن والده كان واليا، وكان لهم قدرة وسلطة و لكنه تأخر في الزواج ، وكم من أميرات في القصور حاولن الزواج به فرفض، وقال أريد أن أتزوج امرأة تنجب لي بطلا، وولدا صالحا يقوم بالجهاد في سبيل الله تعالى، وكانت هناك امرأة متوسطة الحال أيضا تأخرت في الزواج ولم تقبل رغم كثرة الخاطبين، وكانت أيضا تبحث عن ذلك فوصل الخبر إلى نجم الدين فتزوجها وأنجب منها  صلاح الدين، كذلك الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى أيضا كان والده ووالدته لم يطعما شيئا حراما، وقصته معروفة عندما أخذ سهوا لقمة من تفاحة لا يعرف صاحبها فسار مسافة كبيرة حتى وصل إلى البستان الذي أُخِذت منه التفاحة فحينئذ قال: إني أخطأت و أرجو أن تسامحني، قال: هل تزوجت؟ ، قال: لا، فقال له صاحب البستان: إن لي بنتا صالحة تقية لكنها لا ترى، ولا تسمع هل يمكن أن تتزوجها؟، فقال : إن كانت صالحة تقية فإني أتزوجها، وبعد أن تزوجها لم يجدها عمياء ولا صماء، فقال له والد أبو حنيفة : كذبت علي، فقال له والد الفتاة: لم أكذب عليك لكن و الله لم تر المحرمات، وإنها لم تسمع إلا القرآن، وهي حافظة له، و بالتالي فأنت أهل للزواج بها، وعندما جاء رجل إلى سيدنا عمر رضي الله عنه يشكو عقوق ولده ، دعاه عمر رضي الله عنه وقال له: يا ولد ألا تتقي الله تعالى، أوما تدري أن عقوق الوالدين من أكبر الكبائر، قال الولد: نعم و حقه هو  أن يستنجب ابنا، و أن يحسن اسمه ، وأن يعلمه كتاب الله تعالى، ولكن أبي لم يستنجب و لم يحسن الاختيار، و إنما اشترى جارية بأرخص الأسعار و كانت سيئة الخلق، ولما ولدت سماني جُعَلا، ولم يعلمني آية واحدة ، فالتفت سيدنا عمر رضي الله عنه إلى والده وقال له: لقد عققته قبل أن يعقك.

الحقوق متقابلة فلا يجوز أن ننظر إلى حقوقنا نحن الآباء و الأمهات، وإنما يجب علينا أيضا النظر إلى حقوق الأولاد، وحقوق الأولاد بالإضافة إلى حسن اختيار الأم، وحسن التربية ، وتعليم كتاب الله تعالى، علينا كذلك أن نربي بالرفق، وأن نكون قدوة حتى تثمر تربيتنا لأهلينا صلاحاً وإحساناً، وقد أثبت العلم الآن أن الولد يتأثر بالمحيط حتى و هو جنين، هناك تجارب عن الجنين حين يسمع القرآن داخل البيت يسهل عليه الحفظ بالمقارنة بغيره الذي لم يستمع، و الآن كذلك ثبت أأنّ الولد يتأثر من خلال الرؤية بمجرد ولادته، و يتأثر بالمشاكل و الأصوات المزعجة داخل البيت من السباب و الشتائم من اليوم السادس، كم أنت مسؤول عندما تعمل مشاغبات و مشاكل و تصرفات غير لائقة مع الزوجة أو مع غيرها أمام الطفل، كل هذا المحيط السيئ يطلع منه النشأ السيئ، إلا إذا أراد الله تعالى غير ذلك، ولذلك قال سيدنا يوسف مرتين لإخوته الذين أرادوا قتله ، لا لسبب إلا لأنه كان أحب إلى أبيهم منهم﴿ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا[7] يعني بيئتكم التي وجدتم فيها لم تكن صالحة، إشارة إلى بيئة البيت، بيئة الخارج، بيئة الجيران، بيئة الأقارب، بيئة الأصحاب، بيئة الأصدقاء.

يجب علينا أن نحمي أولادنا من البيئة السيئة، وأن نتعامل معهم بالرفق وليس بالسباب والشتائم، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يرى الولد الصغير يمازحه ويكنيه، إذ الكنية عند العرب للتعظيم.

مسؤوليتنا كبيرة، ولا سيما أولادنا بنين وبنات يواجهون فترة الصيف، وفترة الصيف الآن، وبالإحصائيات هي من أخطر المراحل على أولادنا، لأن هناك فراغ، وغنى.

مسؤوليتنا عظيمة فلا تعالج بمجرد الكلام، فلابد من برنامج، ولابد من مرافقة الأبناء ومشاورتهم والحديث إليهم ووضع برنامج لحفظ القرآن الكريم، والرياضة، ومرافقتهم إلى الأماكن الترفيهية التي يرغبون في ممارسة المباحات فيها.

 


[1] سورة يس، الآية:12

[2] – سورة التحريم، الآية:6

[3] – سورة الصافات، الآية:24

[4] – سورة الحج، الآية:2

[5] – رواه البخاري في صحيحه برقم:853، ومسلم في صحيحه برقم:1829

[6] – رواه الترمذي في سننه برقم: 1084

[7] – سورة يوسف، الآية:77