للوقت في الإسلام أهمية كبرى، وقد أولى الله سبحانه وتعالى عناية قصوى به في القرآن الكريم؛ فأقسم بالزمن كله وهو "العصر"، وكذلك في معظم أجزائه، كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بتنظيمه في كافة المجالات، وعدم تضييعه.

تنظيم الوقت وسيلة من أهم الوسائل العظمى لتحقيق الغاية المنشودة للإنسان، وهي تحقيق العمران، والسعادة في هذه الدنيا، و السعادة كذلك في الآخرة، وذلك لا يمكن أن يتحقق في الفوضى، و لا يمكن أن يتحقق دون تنظيم أو تخطيط في جميع المجالات، ولأهمية التنظيم ضرب الله سبحانه و تعالى لنا مثلين عظيمين في القرآن الكريم هما" النحل" و" النمل"، و لأهمية واعتبار ما يقوم به النحل و النمل سمى الله سبحانه و تعالى سورتين من سور هذا الكتاب العظيم باسم هاتين الحشرتين، حتى أن الله سبحانه وتعالى أكرم النحل بالوحى فقال تعالى: ﴿ وأوحى ربك إلى النحل[1] فأوحى الله سبحانه و تعالى إلى النحل وحيا خاصا بها، كما أوحى الله سبحانه و تعالى للرسل، وهذا إن دل على شيء فإنّما يدل على أنّ النحل هي أفضل المخلوقات بعد الإنسان و الملائكة و الجن المؤمنين؛ فبهذا الوحي أصبحوا أفضل الحيوانات في نظر القرآن الكريم، لماذا؟ لأن هاتين الحشرتين منظمتان، كلتاهما في قمة التنظيم، ولكن إحداهما و هي النحل مع التنظيم تنتج، وتخدم الناس، و لذلك استحقت أن يوحي الله سبحانه و تعالى إليها، بينما النمل منظم في غاية التنظيم، و لكنه لا ينتج ما يفيدنا بل ما يفيدهم، و لذلك اكتفى الله سبحانه وتعالى بتسمية سورة كاملة باسم النمل، وأدخلها مجموعة من الأسرار و العجائب العظيمة لا يسمح المجال لذكرها.

و لو نظرنا نظرة سريعة إلى تنظيم النحل لوجدنا عجائب و أسرارا عظيمة جدا ، فليس هناك مجال لمن لا يعمل أبدا؛ كل نحلة لها عملها، وإذا تعطلت عن العمل تقطع، إن كانت أنثى تعمل في أي حقل من الحقول، و إن كان ذكرا فهو للتلقيح، و بالتالي إن زاد عدد الذكور عن المطلوب فيُقضى على الآخر، ثم بقية النحل منظم على مجموعات كبيرة جدا، منها الأمير الذي يسمى اليعسوب، و هو المدير و المدبر يسير و يتجول حولهم، ولا  يتوقف ثانية واحدة، ليس جالسا على كرسيٍّ يأمر و ينهى، وإنما بصوته الذي تفهمه بقية النحل يدير و يدبر، ثم بقية الشّغّالات منها من تبني، و منها من تعمل العسل،  ومنها من تذهب للالتقاط، ثم المساحة لا بد أن تكون محدودة لا تقل عن اثني عشر ميلا حتى ينضج ما أكلته ،إلى آخر هذه التفاصيل، دقة في التنظيم و لذلك أوحى الله سبحانه و تعالى إلى النحل.

أراد الله تعالى بذلك أن يضرب لنا مثلا بهتين الحشرتين، لتكونا قدوة في هذا المجال، وهذا دليل على أن الإنسان المسلم يجب عليه أن يستفيد العمل الطيب، والتنظيم الجيد من أي كائن.

 ولو درسنا كما هو الآن معروف في عالم الإحياء أو عالم الحيوانات ، لوجدنا أنّ مملكة النحل مملكة منظمة، و لا يوجد فيها إلا ملكة واحدة ليس فيها تعدد قال تعالى :﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾[2]، المرجعية واحدة لكن المرجعية الهرمية منظمة، كل واحد له عمله و كل واحدة لها عملها، ولها إدارتها، وهذا ما يجب أن تكون عليه حياتنا، أن تكون منظمة، أن يعمل الجميع ليل نهار، وإذا لم يجدوا عملا فلابد أن يوجد لهم أعمال، و لذلك الغرب استفاد من هذه النظرية، وهناك في الغرب شيء يسمى البطالة، ربما بعضنا نحن المسلمين أو في العالم العربي ربما نستهزئ بهم، و نقول لماذا الدولة تعطي رواتب و مع ذلك لا تشغله في المصنع أو في الإدارة، أو في الوزارة ؟ نحن عندنا ما يسمى بالبطالة المُقنِعة أو المقنّعة، و هي أنّك توظف شخصا ليس له عمل، وهذا ما حدث في عالمنا العربي، وأنا بنفسي رأيت كثيرا من ذلك، فعندما يكون عندك ورقة في بعض الدوائر فلابد من عشرات الموظفين و التوقيعات، توقيع رئيس الوحدة، و رئيس القسم، و هذه التوقيعات كلها لا تحتاج إلاّ لشخص واحد، لكن لابد أن نجد له عملا على حساب أشغال الآخرين.

دخلت أحد الدوائر في الساعة السابعة فقالوا أن الوقت مبكر جدا فجئت الساعة الثامنة فكذلك ما زال الوقت عندهم مبكرا، فرجعت على الثامنة والنصف، و جدتهم في المكاتب يأكلون.

تؤكد إحدى الدراسات أن الموظف في العالم العربي يعمل في اليوم عشرين دقيقة، ومن المفروض على أقل تقدير ست ساعات من العمل.

النحل لا يمكن أن يكون بدون عمل، والغرب أيضا يدرسون كل دائرة عمل كم تحتاج من وقت العمل، والإجازة، وكم يعطونه من الراتب، فالشخص قد يكون عازبا وقد يكون متزوجا، وقد يكون عنده أولاد كثر وهكذا، فالنحلة التي تُقتل لأنها ربما تكون عدوى تنتقل هذه العدوى إلى البقية، فكل واحد من أعضاء العمل يراقب الآخر، فمثلا العامل يقول لماذا المدير لا يشتغل في وقته المحدد؟ فهو أيضا يفعل مثله، لكن إذا كنا مثل النحل، اليعسوب مثلا يشتغل طول الوقت ويراقب ويأمر ويدبر ويرتب وينظف ويعمل كل شيء، والموظفون كذلك كلٌ في عمله.

نحتاج أن نستفيد من النحل، ألا ليت يمثل خمسون في المئة منا مثل النحل أو النمل في التنظيم والدقة الاقتيات والادخار، فهذا الاستهلاك المقيت الذي أدى إلى أن أصبح معظم شبابنا مدينين رغم هذا الثراء.

لماذا لا نستفيد من مملكة النمل؟ من هذا الادخار الدقيق، حتى أنه يُقال أنّ سيدنا سليمان عليه السلام حبس نملة أو نملتين، وأعطاهما حبة واحدة فبعد شهر أو شهرين وجد أنهما قسما الحبة إلى أربعة أقسام، وأكلا قسما واحدا وتركا ثلاثة أقسام، فلمّا سألهما قالا: خفنا أن تنسى ولذلك ادخرنا.

هكذا لابد للإنسان أن يفكر فالإنسان عاقل، ومهما كانت النعم كثيرة فلا يجوز فيها الإسراف، فلابد من تنظيم المال والوقت وكل شيء، ولذلك إخوتي الكرام الغرب لم يتقدموا علينا لا بعقولهم فهم بشر ونحن مثلهم، ولا بأموالهم فوالله أموالنا أكثر، ولا ببيئتهم فبيئتنا أوسع، ولا بطاقاتهم ومعادنهم فنحن أكثر منهم؛ فالله سبحانه وتعالى خلق معظم المعادن في العالم الإسلامي، وإنما تقدموا علينا بتنظيم الوقت والعمل للاستفادة مما ذكرناه.

ما أحوجنا أن نستفيد من سنن الله تعالى، فنحن دائما نقول بلادنا لم تتقدم بسبب الحروب أو بسبب القضية الفلسطينية، وهذا غير صحيح، و أكبر دليل على ذلك كوريا الجنوبية مازالت لديها مشاكل مع كوريا الشمالية وتهددها، و مع ذلك تقدمت هذا التقدم الهائل، تقدمت بالنظام، تقدمت باحترام الوقت، تقدمت باحترام العمل، أنا ذهبت إلى كوريا ورأيت أحد الطلبة أبناء  المسلمين يعمل و كان الوقت متأخرا، فقال والده ابني يقرأ و يعمل خمس ساعات و في بعض الأحيان سبع ساعات، و قال إنّ المنافسة عندنا ليست بين الجيّد و الجيّد، إنّما المنافسة عندنا بين الأجود و الأجود، بين الأحسن و الأحسن، بين الأفضل و الأفضل، فإذا لم نحصل على درجات عالية فلن نحصل على مكانة، وحتى لو حصّل درجات ممكن لا يُعيًّن لأن المنافسة شديدة ليست بين الحسن والحسن، و إنما بين الأحسن و الأحسن، حتى في القرآن الكريم، قال تعالى:﴿ ليَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا[3]، لم يقل تعالى مثلا أيكم له عمل حسن، الابتلاء و الامتحان في هذه الدنيا بالأحسن، بالأفضل، بالأجود، و هو عمل ديناميكيٌّ لا يقف عند حد، أجود اليوم و أحسن اليوم غير الأمس، انظروا إلى ما وصلت إليه كوريا الجنوبية التي كانت هي من أكثر الدول تخلفا قبل عشرين سنة، انظروا إلى هذه الهواتف التي صنعوها كل سنة عدّة أنواع منها، لا أتكلم عن أمريكا، و إنما أتكلم عن هذه الدولة الناشئة.

 يجب علينا أن نعيد النظر في تربيتنا لأولادنا داخل البيت، بتنظيم أوقاتهم وتنظيم أعمالهم، وتنظيم دراستهم، معظم أولادنا ينجحون لكن لا يتميزون، ممكن ينجحوا في مادة أو مواد ولا ينجحوا في أكثرها، فلذلك نحتاج إلى هذه التربية الإلهية التي جعل لها اسمين لحشرتين، وأكرم النحل بالوحي، انظر إلى هذا التعظيم، وهذا التكريم.

علينا أن نهتم بهذا التنظيم، تنظيم العمل التنظيم الإلهي لدولة النحل تنظيم فيه رئيس و معاون…الخ، وقد تكون الإدارة في يد الزوج أو الزوجة لا بأس بذلك لكن تكون عن تشاور و تراضٍ، ثم بعد ذلك هناك أفراد لابد من متابعتهم و تنظيم أمورهم، و تعويدهم على النظام، كذلك مدارسنا هذا واجبها ، وجامعاتنا، مسؤولية تنظيم الوقت و تنظيم العمل، وتنظيم الإدارة، وتنظيم الدراسة، و تنظيم المذاكرة، وتنظيم كل شيء، واجبنا جميعا، وهو فريضة شرعية، وضرورة واقعية، فريضة شرعية لأن الله تعالى أمر بها في عشرات الآيات و منها التي ذكرنا، و ضرورة واقعية لأننا لا يمكن أن نتقدم بالفوضى أبدا، وإنما نتقدم بالتنظيم هذه سنة الله سبحانه و تعالى ،قال عز وجل﴿ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا[4].

الخطبة الثانية:

  مصدر الفتن والمصائب التي تحدث في أمتنا، هو عقليتنا الضيقة، عقليتنا غير المنظمة، يجب علينا أن نلتزم بأوامر الله تعالى، وبالقوانين الشرعية التي تصدر عن ولي الأمر في الداخل والخارج، وعلينا أن نكون أكثر تنظيما، وأكثر إدارة، وأكثر عملا.

 

 


[1] – سورة النحل، الآية:68

[2] – سورة الأنبياء، الآية:22

[3] – سورة الملك، الآية: 2

[4] – سورة فاطر، الآبة:43